في إطار سلسلة اللقاءات والندوات التي ينظّمها حزب السلام اللبناني بعنوان "السلام نضالنا" عقدت في مجمّع إدّه ساندز السياحي ندوة عن العلاقات اللبنانية السورية شارك فيها ممثلون عن احزاب 14 و 8 آذار على رأسهم رئيس حزب الوطنيين الاحرار الاستاذ دوري شمعون الذي كانت له مداخلة قيّمة.
بداية ألقى امين عام الحزب المحامي رافايل صفير كلمة إعتبر فيها ان المرحلة التي نمرّ بها مرحلة صعبة وخطيرة في ميادين عدة سياسية واقتصادية واجتماعية وتطرح تساؤلات عدة حول إستمرار ومصير الكيان نتيجة خيبات أمل المواطن اللبناني من آداء دولته مشيراً الى ان العلاقات بين لبنان وسوريا تمرّ بمراحل مختلفة منها السلبي ومنها الايجابي.
ثم تحدّث رئيس حزب السلام اللبناني المحامي روجيه إدّه الذي قدّم عرضاً مفصلاً للعلاقات التاريخية بين لبنان وسوريا عبر التاريخ وقال:
الخطيئة تكوينية، اصلية كانت حين سقطت السلطنة العثمانية وقرّر المنتصرون في الحرب العالمية الاولى تأسيس الدول – الكيانات في مؤتمر فرساي حيث كان لبريطانيا وفرنسا الدور الرئيسي في تصميم دول هذا المشرق حدوداً وأنظمة دستورية. كانت حصة فرنسا ضئيلة اذ انحصرت في الانتداب لتأسيس خمسة دول شرق المتوسط: دولة لبنان الكبير، دولة دمشق، دولة حلب، الدولة الدرزية والدولة العلوية.
أهمها كانت دولة لبنان الكبير، لبنان الموارنة ومسيحيي الشرق حيث لجأت الاقليّات عبر التاريخ البيزنطي اولاً ثم الاسلامي بعد ان حلّ الاسلام الاممي مكان الامبراطورية الرومانية البيزنطية تدريجياً مستكملاً توسعه على حساب امارات الافرنج التي أتت بها الحروب الصليبية "الرومانية" الغربية في حربها على المسيحية الرومانية البيزنطية.
كان الفرنسيون كرماء في توسيع حدود لبنان التاريخي، لبنان المتصرفية والقائمقاميتين، لبنان الامّة ذات الاستقلال الذاتي بضمانات دولية منذ عام 1962.
ارتضى اللبنانيون بقيادة البطريرك حويك هذا التوسع الذي ضمّ ولاية بيروت والقائم مقاميات الاربعة في حين تحفظوا عن ضمّ دمشق ووادي النصارى لغاية غربي – جنوبي بحيرة حمص شمالاً، ومنطقة الحولة جنوباً.
هَمُّ الموارنة واهل جبل لبنان في حينه كان إبعاد شبح مجاعات حرب 1914 التي إجتثت اكثر من ثلث اهل لبنان الجبل، إذ لم تكن لهم رؤيا واضحة لتحوّل العالم الاول وبالتالي العالم النامي من العهد الزراعي للعهد الصناعي ومن ثم للعهد ما بعد الصناعي المبني على التكنولوجيا العليا والخدمات.
حاكم فرنسا في حينه جورج كليمنصو كان راديكالياً يسارياً علمانياً وكانت فرنسا لا تزال إستعمارية ولو مستضعفة لصالح بريطانيا العظمى منذ خسارتها الحروب النابوليونية، ومنهارة إقتصادياً إثر الحرب العالمية الاولى.
فرنسا "كليمنصو" كانت مقتنعة بإستمراريتها كدولة إستعمارية مهمة وبأن وجودها في لبنان سيدوم بفضل حاجة موارنة لبنان وسائر اقلّياته الى حمايتها. الامر الذي لم يأخذ بعين الاعتبار ارادة بريطانيا العظمى الدولة الاستعمارية الاولى عالمياً بالمزيد من التوسّع على حسابها ولا أخذ بعين الاعتبار إمكانية بروز الولايات المتحدة الاميركية دولة عظمى ستسعى عاجلاً ام آجلاً الى إسقاط الاستعمارات الاوروبية لصالح نفوذها التوسعي، الامر الذي تحقق في العشر سنوات ونيف التي تبعت الحرب العالمية الثانية.
لكن حين قام لبنان الكبير كان في لبنان قيادات مارونية، ابرزها اميل إدّه وشخصيات فرنسية، ابرزها روبير دوكي، وزير الخارجية في حينه، متحفظة وقلقة على مصير "لبنان الكبير" في الامد الطويل.
من الناحية الاخرى كانت قيادات ولاية بيروت والاقضية الاربعة التي ضُمَّت الى لبنان التاريخي، لبنان الجبل من حدود قضاء جزين جنوباً الى حدود قضاء بشري شمالاً، ترفضُ لبنان الكبير بدعمٍ عربي علناً وبريطانيٍ ضمناً.
ذلك لان بريطانيا العظمى كانت قد وعدت شريف مكّة المكرّمة الهاشمي "بالمملكة العربية المتحدة" مثلما كانت العقائد اليوتوبية الداعية للوحدة العربية ام لسوريا الكبرى مشاريع لها صداها عربياً لدى أهل السنّة بالنسبة للوحدة العربية ولدى الاقليات المسيحية والدرزية والعلوية بالنسبة للقومية السورية.
بمقابل دولة لبنان الكبير صمّمَ صانعوا النظام الدولي في معاهدة فرساي اربعة دول انتُدِبَت لتنظيمها فرنسا وهي :
الدولة الدرزية في جبل حوران والجولان
ودولة دمشق ذات التاريخ المسيحي – الاسلامي المميز
ودولة حلب الصناعية المزدهرة التي كانت ممراً إقتصادياً مميزاً الى بلاد الفرات
والدولة العلوية التي كانت الاوسع جغرافياً والاكثر طاقة على الازدهار بفضل لواء الاسكندرون الذي يضم السهول الخصبة بين العاصي والفرات وبسبب اهمية انطاكية عاصمة المسيحية الشرقية قبل ان تعتنق روما الوثنية الدين المسيحي في القرن الخامس مع قسطنطين الاول مؤسس الامبراطورية القسطنطينية-البيزنطية التي تجاوزت الالف ومئة عاماً، ضعفي عمر الامبراطورية المسيحية الرومانية الغربية.
هذه الدول الاربعة كانت قابلة للحياة والازدهار والاستقرار في سلام من صراعات الكيانات الطائفية والمذهبية والاثنية على انواعها.
لكن فرنسا الانتداب كانت منهارة اقتصادياً اثر الحرب العالمية الاولى التي أنهكتها وكان لديها اولوياتها الراديكالية لجهة الانماء الاجتماعي، اولويات تتطلب صرف اموالاً طائلة، ولم يكن في حينه من Marshall Plan اميركي لمساعدة اوروبا على اعادة البناء مثلما حصل فيما بعد مع الرئيس هاري ترومان غداة الحرب العالمية الثانية.
لذا سرعان ما وجدت فرنسا الانتداب انها عاجزة عن الحفاظ على مستعمراتها في افريقيا وآسيا وإعادة بناء الداخل الفرنسي وتطويره بسياسة اجتماعية مكلفة فقررت تحت ضغط وزارة المالية Rue De Rivoli ، وبالرغم من معارضة وزارة الخارجية Quai d’Orsay ، ان تجمع الدول الاربعة المنوّه بها في دولةٍ موحدة كونفدرالياً بحيث توفر على نفسها كلفة تأسيس اربعة دول من الالف للياء.
كانت مهمة فرنسا عسيرة في جمع الدول الاربعة عنوةً، لذا تطلّبت عملية الجمع اربع سنوات من 1919 الى 1923، بادئةً بالاتحاد بين دولة دمشق ودولة حلب.
حين قبلت قيادات دمشق بشروط قيادات حلب جميعها ولم يبق من خلاف سوى على التسمية، أفتى الفرنسيون بتسمية "سوريا" المقتبسة من تسمية جغرافية، إعتمدها الاغريق والرومان لشرق المتوسط.
ثم بدأت الضغوط على قيادات الدولة الدرزية التي لم يكن لهم خياراً سوى القبول بالانضمام الى الدولة الاتحادية الجديدة.
اما اركان الدولة العلوية فحاولوا سابع المستحيلات للبقاء مستقلين ام الانضمام الى لبنان الكبير عارضين على البطريركية المارونية ان يعتنقوا المارونية جماعياً.
لكن الفاتيكان رفض السماح "بِمورنَة العلوييين" تحت ضغط اللوبي اليسوعي المعروف تاريخياً بلوبي الجيش الاسود، خوفاً من ان عودة انطاكيا عاصمة مسيحيي الشرق للموارنة قد يوقف عملية إستكمال استيعابهم في الكنيسة الرومانية اللاتينية. هكذا أضطر العلويون للقبول بالانضمام الى الدولة السورية الاتحادية الامر الذي حولهم مواطنين درجة ثانية والذي ادّى عام 1937 الى سلخ لواء اسكندرون عن الدولة السورية لصالح الدولة التركية استرضاءً من قبل الغرب لتركيا حتى تبقى محايدة في الصراع المستجد بين دول اوروبا الغربية اللاتينية والانغلو سكسونية مع المانيا النازية الساعية للثأر من زلّ الحرب العالمية الاولى ومعاهدة فرساي التي ظلمتا ظلماً عظيماً.
هكذا تكوّنت بخطيئة تاريخية عظيمة دولة سوريا المركبة من اربع دول وكيانات.
وهكذا ولدت سوريا مشوبة بعناصر التفسخ والتفجر الذاتي.
مثلما كانت سوريا عرضة لضغوط الوحدة العربية إن في اطار مشروع المملكة العربية المتحدة البريطاني أم مشروع القومية العربية الناصري والبعثي المدعوم ضمناً من الولايات المتحدة الاميركية الساعية بعد الحرب العالمية الثانية لتخريب النفوذ الاستعماري الاوروبي في الشرق لصالحها.
بسبب الخطيئة الاصلية التأسيسية هذه لم تستقر الدولة السورية سوى في مرحلة الانتداب الفرنسي. وحين تمّ الجلاء وانتهاء الانتداب عانت الدولة السورية من الانقلابات العسكرية المتتالية ومن مشروع وحدة وانفصال مع مصر الناصرية. ولم يستقر نظام حكم في سوريا قبل إنقلاب الرئيس حافظ الاسد عام 1970، انقلاباً عسكرياً حقق الاستقرار بالقوة والسلطة المطلقة. لكن من طبيعة السلطة المطلقة انها تحافظ على وحدة الامم في عهدتها الطاغية الى حين سقوطها، فتسقط الدول وتتفجر اثر سقوطها، مثل ما شاهدنا في السنوات العشرين الماضية اثر سقوط الاتحاد السوفياتي وتفجره دولاً وكيانات وسقوط قبضة نظام الجنرال تيوتو الفولاذية في يوغوسلافيا وتفجرها دولاً وكيانات في حمام دمٍ نَزف غزيراً.
كذلك شاهدنا مع تحرير اوروبا الوسطى من قبضة نفوذ الاتحاد السوفياتي كيف ان تشكوسلوفاكيا قررت بالتوافق الانشطار الى جمهورتين ديمقراطيتين حدودهما مفتوحة وازدهارهما مميز في حين ان "سلوفاكيا" كانت في مرحلة الوحدة عبئاً على براغ التشيكية تشعر بانها في الصنف الثاني بالمواطنة بينما كان يشعر حيالها اهل "تشيكيا" بانها عبئاً اقتصادياً عليهم.
اما لبنان الكبير فكان منذ تكوينه الموسّع مرفوضاً من قيادات الاسلام اللبناني في المناطق التي ضُمَّت الى لبنان التاريخي، لبنان المتصرفية والقائمقاميتين. تجلّى هذا الرفض بنوع خاص في عهد الانتداب حين عقد "مؤتمر الساحل" ودعت القيادات التي شاركت فيه للإنضمام الى المملكة العربية المتحدة بقيادة الملك فيصل الهاشمي الذي سعى له البريطانيون ايفاءً بوعد "لورنس أُف آرابيا" للهاشميين حتى يتعاونوا معهم ضد السلطنة العثمانية.
الامر الذي حمل الرئيسين إميل إدّه وبشاره الخوري المتصارعين على زعامة لبنان على الاتفاق انّ "لا انهاء للانتداب ولا جلاء لفرنسا بدون معاهدة تحمي لبنان دولياً" من مشاريع الضم والفرز المروَّج لها في الشرق الاوسط قومياً عربياً ام قومياً سوريا او أممياً اسلامياً.
لكن الحرب العالمية الثانية داهمت اللبنانيين بواقع متغيّر حين سقطت فرنسا تحت الاحتلال النازي وانشطرت جيوشها المنتشرة في الشرق بين الجنرال بتان المتعاون مع النازية والجنرال ديغول المقاوم بدعم بريطانيا العظمى والحلفاء.
هذا الواقع المستجد جعل فرنسا الديغولية تتعاون مع بريطانيا لتنهي الانتداب الفرنسي وتحقق الجلاء العسكري عن لبنان الكبير وسوريا بلا معاهدة ولا من يضمن المصير.
تحفظ قادة سوريا في حينه حيال استقلال لبنان ولم يقبلوا به بدون مفاوضة عسيرة تولاّها دولة الرئيس رياض الصلح وتمكن بنتيجتها ان يقنعهم بقبول استقلال لبنان لانه كان من المستحيل تحقيق جلاء الجيوش الفرنسية عن جبل لبنان إن لم يقبلوا. ولانهم إقتنعوا انه لن يكون صعباً عليهم ان يسعوا بعد الجلاء وبالتعاون مع القيادات القومية العربية في لبنان الى فرض الوحدة على لبنان بمزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعتمد سياسات "فرّق تسد" وتراهن على النمو الديمغرافي الاسلامي بتعدد الزوجات بمقابل النمو البطيء ديمغرافياً في البيئات المسيحية والدرزية المُحرَّم عليها تعدد الزوجات والتي يعيق نموها الديمغرافي عوامل الرفاهية الاقتصادية والتقاليد الثقافية الغربية المنحى لاسيما مخافة ان يؤثر النمو الديمغرافي الكثيف على مستوى التعليم والرفاهية الحضارية وعلى الاقتصاد الذي لا يتحمّل عِلمياً نمواً ديمغرافياً يفوق مستويات النمو الاقتصادي.
عام 1946، فور انتهاء الحرب العالمية الثانية باشرت القيادات السورية الحرب الاقتصادية على لبنان الكبير بفرض "القطيعة" إغلاقاً للحدود وفصلاً للمصرف المركزي الذي كان في حينه متمثلاً بمصرف سوريا ولبنان.
هكذا بدأ الصراع المكشوف بين لبنان المُصِرّ على استقلاله وسوريا الساعية لضمّه اليها.
لم تفلح سوريا بوسائل الضغط الاقتصادي لان لبنان ازدهر بعد القطيعة وبدأ يزاحم سوريا تجارياً وصناعياً ومصرفياً مما زاد من غيظ اهل سوريا شعباً وقيادات. وحين تحولت سوريا إنقلاباً بعد إنقلاب الى النظام الاقتصادي الموجَّه قومياً - إشتراكياً بدأت الهجرة السورية من رجال اعمال ومصرفيين وصناعيين بارزين الى لبنان حيث حصل اكثرهم على الجنسية اللبنانية.
هجرة هذه الطاقات الانتاجية والمالية الى لبنان زادت من الغيظ السوري على لبنان الاخضر، لبنان الحريات الاقتصادية والسياسية، لبنان العالم الحرّ بينما سوريا كانت تغرق في مستنقعات الاشتراكية العالمية وتتجه نحو الاتحاد السوفياتي، غير المغفور على وفاته لاحقاً لما تسبب من صراعات واستعباد شعوب وضيقة اقتصادية لمن حزا حزوه من انظمة.
عهد الرئيس كميل شمعون في الخمسينيات اكمل الشرخ مع سوريا لانه كان عهد إزدهار ومشاريع انمائية وجاذبية اقتصادية وعلاقات إقليمية ودولية واسعة الآفاق مع دول العالم الحر لاسيما بريطانيا العظمى .
من ناحية لبنان بدأت تبتعد عن سوريا القيادات المتعاطفة اصلاً مع خياراتها العقائدية، قومية كانت ام اشتراكية، بحيث اصبح مسلموا لبنان اكثر لبنانية بينما هم أقرب الى مرجعيات عربية بعيدة عنه جغرافياً مثل مصر الناصرية والمملكة السعودية بالنسبة لاهل السنة والمملكة الهاشمية وايران الامبراطورية بالنسبة لاهل الشيعة.
اما حين سقط حلف بغداد، البريطاني التصميم، لحساب التيار الناصري، المدعوم اميركياً، في حرب 1956 ، وبعد سقوط النظام الهاشمي في بغداد عام 1958 إتجه النفوذ العربي الاسلامي في لبنان نحو الناصرية والدول العربية والاسلامية الحليفة للولايات المتحدة الاميركية على حساب بريطانيا العظمى التي لم تعد في الموقع الاول في النظام الدولي.
اما فرنسا فبقيت على تراجع تصاعدي في مرحلة سقوط الاستعمار فتقلّص دورها في كل مكان كما في لبنان ولم يبق لها سوى علاقاتها المميزة عسكرياً مع اسرائيل التي كانت تمدّها بطائرات الميراج والسلاح النووي. سياسة بدأت مع قيام دولة اسرائيل عام 1948 وانتهت مع الجنرال ديغول عام 1968 إثر ضرب اسرائيل مطار بيروت رداً على عملية مقاومة فلسطينية أعلن عنها من لبنان.
حرب 1967 لم يشارك فيها لبنان ولم يخسر فيها شبراً من أرضه بينما شاركت فيها سوريا وخسرت الجولان فزاد الغيظ السوري على لبنان لانه "جحا ما فيه إلا على خالتو" . كذلك خسرت سوريا حرب 1973 واضطرت للقبول بمخطط هنري كيسنجير لفصل القوات عام 1975 بحيث اضحت جبهة الجولان مع اسرائيل محيّدة بالواقع ولم يعد لسوريا سوى خيار المفاوضة بالارض مقابل السلام لكن بدون قدرة فعلية على الضغط لفرض خيار السلام على اسرائيل. لذا اعتمدت سوريا "الساحة" اللبنانية واوراق الضغط الفلسطينية لتزعج اسرائيل وتذكّر النظام الدولي بالحاجة للضغط على اسرائيل لتحرير الجولان المحتل.
هكذا تجمّعت في الضمير القيادي والشعبي السوري عوامل العقائديات القومية التوسعية مع الغيظ من لبنان الاستقرار والازدهار في رحى "العالم الحرّ" لتحمل القيادة السورية على جعل اولوية اولوياتها، تدخلها في الشؤون اللبنانية والامساك "بالاوراق" التفاوضية اللبنانية والسعي الدؤوب لتفجير لبنان تمهيداً لفرزه وضمّه جزئياً ان لم يتوفر لها ضمّه كلياً.
هكذا بدأت الحرب اللبنانية والحرب على لبنان تتصاعد في الداخل اللبناني وبين لبنان واسرائيل وبعض لبنان وسوريا، حرباً لم تنته بعد ولن تنتهي قبل معاناة لبنان وسوريا من مزيد من الحروب والصراعات التي من شأنها ان تقضي على كل لبنان الكبير وعلى سوريا الموحدة عُنوة والمُحافَظُ على وحدتها بالنظام العسكري المُطلق الطغيان.
هكذا بعد مرور ما يقارب القرن على قيام لبنان الكبير نجده "شعوباً" على حدّ تعبير كبار المفكرين من الاعلاميين اللبنانيين واوطاناً على حدّ تعبير امير الدروز وليد بيك جنبلاط في حواره المتلفز الاسبوع الماضي.
لم يصبح اللبنانيون شعباً ولا وطناً واحداً ولا الدولة اللبنانية – دولة اللبنانيين الواحدة الحصرية السيادة والسلطة على الارض اللبنانية.
حتى المقاومة الاسلامية التي كانت تتباهى بسرّية عملها في بيئتها كمقاومة نراها بجيشها تستعرض بالمظاهر الرسمية جيش دولتها في "مارون الراس" وترفع اعلام ايران والرايات الصفر بينما هي تثبت يوماً بعد يوم ان "الحوار" لا يعنيها حول سلاحها.
دولتها لها الكلمة الاخيرة في اي شأن من شؤون الدولة اللبنانية . تفرض الخطاب السياسي والدولي على الاركان الصُوَريين بنظرها للدولة اللبنانية وذلك مباشرة وبدعم حلفائها في محور ايران – سوريا.
تتصرف بالديمقراطية كما تشاء. تعطّل المجلس النيابي حين تشاء. تفسّر الدستور كما تشاء. تقرّر القانون الانتخابي الذي تفضّل وتتحدث عن "الاكثرية الشعبية" حين تعجز عن تحقيق الاكثرية النيابية مع حلفائها المدعومين من المحور بشتى الامكانيات. حتى اضحى لبنان رهينتها ورهينة خياراتها في شؤون السلم والحرب والمصير.
لبنان الكبير ودولته اصبحا بالواقع إسماً لغير مسمّى. وأضحت الشعوب والاوطان اللبنانية مجموعة " شكلياً " في دولة – كيان ليست دولة جامعة تنعم بحصرية السيادة والاستقلال والحضارة والنظام ولا هي بالكيان الواحد الموحد الثقافة والانتماء .
لذا نشاهد بألم مرير الفئات اللبنانية كلٌ منها يغني على ليلاه ويقلق على مصيره مترَبصّاً مفاجآت تقلّبات الدهر ولعبة الامم التي لم تنته بعد الى استقرار مـا في ساحة الصراعات الشرق اوسطية التي اضحت أولوية أولويات الصراعات الكونية .
كلّ شعب من شعوب لبنان وكل وطنٍ من أوطانه يخطط لدوره ومصيره الوجودي بمنطق جبران خليل جبران "لي لبناني ولكم لبنانكم"، ذلك انه عبر تاريخنا منذ قيام لبنان الكبير جرّبنا العديد من الصِيَغ التي سقطت الواحدة بعد الاخرى لاننا لم نرتض جميعاً لبنان الكبير لبناناً للجميع يشارك في حكمهِ الجميع مطمئنون على مصيرهم فيه.
سوريا لم تساعد! ولم يساعد لبنان احد لان لبنان إلتقاء الشرق بالغرب أثبت نظرية روديرد كيبلينغ Rudyard kepling بأن "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا".
يبقى سبب وجود لبنان ومصير مسيحيي الشرق وهم من عرب العاربة، لأن لا لبنان يبقى إن رحلوا وحتى لا العروبة بنظرنا وبنظر حكماء العرب وحراس الاصالة العربية.
الواقع ان لبنان وُجِدَ في الاصل ليكون دولة " وطنية" للمسيحيين العرب ومكاناً للجوئهم ان اضطرتهم للهجرة قوى التطرّف والتكفير . لذا يتعين ان يبقى في لبنان للمسيحيين العرب وطناً يطمئنون لوجودهم في ربوعه مهما تضاءل عددهم وتصاعدت بوجههم التحديات الوجودية من اي نوع كانت.
ولن يطمئنوا إن لم يكن لبنان قد تطور في صيغة إتحادية تأخذ بعين الاعتبار التاريخ اللبناني قبل قيام لبنان الكبير أعني لبنان المتصرفية والقائمقاميتين مع الحفاظ على التكامل مع ولاية بيروت والقائمقاميات الاربعة التي ضُمَّت اليه.
اما علاقات لبنان مع سوريا فلن تسلم قبل ان تسلم سوريا بسلام يحرّر الجولان وقبل ان تطّور نظامها ليطمئن اليه شعوبها والاوطان التي جُمعت في دولتها . اما منحاها العربي تحققه حين تساهم بتطوير الجامعة العربية على الطريقة الاوروبية في إتجاه تحقيق " الاتحاد العربي الواسع" المتصالح مع جيرانه من مسلمين غير عرب ومن اوروبا المتوسطية المنفتحة على شرق المتوسط والعالمَين العربي والاسلامي.
لكن الحروب الاهلية الدائمة، تارة باردة وتارة ساخنة، كما والحروب الاقليمية الدائمة فهي بالنسبة لسوريا ولبنان وسائر دول وكيانات المنطقة العربية والاسلامية خطراً وجودياً دائماً. تهددها من الداخل الفتن مثلما تهدّدها من الخارج مشاريع التوسع والأمميات العقائدية البائدة والمبيدة .
عاشت شعوب لبنان وسوريا
عاشت اوطان لبنان وسوريا
عاش السلام اللبناني،
والسلام في سوريا ومعها، لبنانياً وإقليمياً ودولياً، لعلّ في السلام الشامل والدائم، الاستقرار والازدهار للجميع شعوباً وكيانات وطنية ودول قابلة للنجاح والاستقرار .
ثم تحدث رئيس حزب الوطنيين الاحرار النائب دوري شمعون فقال: صحيح الموضوع هو العلاقة بين لبنان وسوريا ولكن الحقيقة هي "العلقة" بين لبنان وسوريا وكنا نتمنى ان يكون هناك شيء إسمه علاقة او ان سوريا تقبل بأن يكون هناك علاقة محترمة بينها وبين لبنان وإحترامها للبنان بالرغم من كل العيوب التي نعيشها في لبنان كدولة قوية وتنظر الى لبنان كدولة ضعيفة، ولكن سوريا تريد ان يخترب لبنان وتكون هي مرتاحة وتريد من لبنان ان يقاوم وحده وهي لم تطلق رصاصة دفاعاً عن الجولان. وتريد منا كلبنانيين ان نخرّب بلدنا وتعيش هي على حساب لبنان وهذا الموضوع الجميع يعرفه، كيف ان سوريا استفادت إقتصادياً وسياحياً عندما كان لبنان يتعرّض للحروب.
وقال: المسؤولون في سوريا، ديكتاتوريون عسكريون ولديها احلام وطموحات ويظنون انه بوجود بعض اللبنانيين الذين يصفقون لهم يستطيعون السيطرة على لبنان بكل سهولة خصوصاً وان الدول الكبرى ومن اجل بعض الليترات من البترول أغمضت أعينها عن كل ما تفعله سوريا في لبنان، والبعض منهم كانوا الآداة الاساسية لدخول سوريا الى لبنان عسكرياً واحتلاله لعشرات السنين.
وتابع قائلاً: المزعج اليوم في القصة انه يوجد في الداخل اللبناني بعض الاصوات الذين ما زالوا يتمنون ان تعود سوريا الى لبنان لكي يتسلّموا الوظائف ولكي يعودوا ويستعملوا لبنان كمزرعة كما كان يحصل في زمن الوصاية والى هؤلاء اقول انه بالرغم من كل العيوب في لبنان فهذا الشيء غير وارد بأي شكل من الاشكال والمجتمع الدولي بعد كل المتاجرة التي قام بها على حساب لبنان وكل تآمره علينا، فهم أن لبنان ليس سلعة او ملكاً لاحد لغير اللبنانيين.
صحيح لا احد منا اليوم مرتاح لما يحصل، ولا يرغب بمشاهدة العنتريات وهزّ الاصابع التي تحصل، ولا احد يرغب بأن تصبح طاولة الحوار مؤسسة رسمية او التحرّر من الدستور والقوانين اللبنانية فنتغطّى بشيء إسمه حوار، وهو حوار مزيّف لا قيمة وطنية له، ولم يعط اي نتائج وطنية، بل أصبح لدينا دولة داخل الدولة وجيش ضمن جيش، ولدينا جارة إسمها اسرائيل تهدّدنا يومياً وجارة أخرى إسمها سوريا نحن وإياها حتى اليوم بالرغم من محاولات التصحيح لسلوكها وادابها تجاه الاسرة الدولية بإقامتهم سفارة في لبنان، إلاّ ان التصرف ما زال هو هو والتدخل السوري في الشؤون اللبنانية هو ذاته. فنحن لسنا ضد الشعب السوري، نتفاهم وإياه بكل سهولة، ولكن هذا الشعب مغلوب على أمره وحتى الذين يصفقون لسوريا من اللبنانيين غير مستعدين للعيش في سوريا في ظلّ النظام الديكتاتوري وغياب الحرية هناك، ونحن نقول لسوريا مجدّداً بأننا نريد ان تكون العلاقة بين لبنان وسوريا على أفضل ما يرام وشعبين متّفقين تماماً وعلى أحسن العلاقات في كل النواحي ولكن عليكِ ان تعرفي وتفهمي انه ليس بوجود بعض المصفقين لكِ في لبنان تستطيعين العودة الى لبنان والسيطرة عليه فهذا ممنوع. ولا أعتقد انه يوجد اي لبناني حتى من الذين يصفقون لكِ يرغب بعنجر وحكمه في لبنان مجدداً، فنحن لسنا على استعداد للتضحية بتراثنا وتاريخنا وشبابنا بأي شكل من الاشكال.
وختم قائلاً: يا سوريا انتِ في ارضك ونحن في بلادنا وكل منّا ضمن حدوده عندها نبقى أصحاب وتعود العلاقة طبيعية.
بعدها تحدّث السيد فايز قزي عن العلاقات اللبنانية السورية "نموذج لم يكتمل" مقدماً عرضاً لقراءات متنوعة وممتدة في تاريخ العلاقة اللبنانية السورية عهوداً وسنوات داعياً الى ضرورة إعادة النظر في كل الاتفاقيات التي عقدت منذ العام 76 حتى 2004 من قبل مجلس الوزراء مجتمعاً وليس من الوزراء منفردين الاستعانة بأهل الاختصاص وليس بالموظفين والمديرين العامين والوزراء فقط لقراءة العلاقات وتصحيح مفهوم تميزها ومراعاة حاجة لبنان لاستعادة سيادته الكاملة بحيث لا يبقى أمنه معرضاً للضغوط.
ثم تحدث الاستاذ فؤاد عيتاني عن العلاقات اللبنانية السورية في عهد الرئيس الدكتور بشّار الاسد مبدياً اسفه كيف انه حتى الآن لم يلاحظ عدد كبير من اللبنانيين التغيير الجذري للنظرة السورية الى لبنان في ظلّ قيادة الرئيس بشّار الاسد داعياً اللبنانيين لان يدركوا ان الفرق شاسعاً بين مفاهيم الرئيس الراحل حافظ الاسد إزاء لبنان ونظرة الرئيس بشّار الاسد إليه في ظلّ العالم الجديد الذي نعيشه في مطلع القرن الواحد والعشرين مذكراً بنظرة الرئيس بشار الاسد للعلاقات مع لبنان والتي إقترنت بالتنفيذ كالعلاقات الديبلوماسية وترسيم الحدود ومبدأ تعاطي الدولة مع الدولة مشيراً الى ان العلاقة بين البلدين أصبحت أقرب الى التنظيم والتوازن.
وتحدّث السيد بسام خضر آغا عن علاقة رئيس التيار الوطني الحرّ العماد ميشال عون بسوريا لافتاً الى ان عون خدع الناس وصوّر لهم انه الفارس المنقذ للموارنة بعد ان وافق على العرض السوري له للعودة الى لبنان بعد هروبه الى فرنسا ولكن بخطاب سياسي جديد قديم مؤكداً ان أسوأ ما قام به العماد عون هو دفاعه عن سوريا التي بنى شعبيته في الماضي بالتهجّم عليها بمناسبة وبغير مناسبة.
وأكد آغا ان همّ العماد عون كان ولا يزال الوصول الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية.
بعدها تحدث الدكتور مكرديش بولدقيان عن التكامل الاقتصادي مع سوريا معتبراً ان التكامل الاقتصادي والتنسيق والتعاون بين لبنان وسوريا أمور لا تستدعي الخوف والقلق بل فيها من الفائدة لكلا البلدين متحدثاً عن الاتفاقات الموقعة بين البلدين على الصعيد الاقتصادي والمالي.
ولفت الى انه من الممكن الاتفاق بين لبنان وسوريا على أسس واضحة ترسم وترعى العلاقات الاقتصادية بينهما بعيداً عن التشنّج والتوتر والضغط داعياً الى ضرورة العودة الى قراءة هادئة موضوعية لملف العلاقات الاقتصادية وللاتفاقات الثنائية بين البلدين.
وفي الختام تحدث الدكتور روجيه عزّام عن علاقة سوريا بالحرب اللبنانية مقدماً عرضاً وشرحاً مفصلاً عن تاريخ الحرب اللبنانية ودور سوريا فيها.