لم يتم حتى الآن "العبور إلى الدولة"، وهو الشعار الذي رفعته قوى 14 آذار، لان سلاحا يفوق سلاحها يقوم الى جانبها ويجعل فوق سلطتها سلطة. ولم يتم حتى العبور الى الوطن لان لا عبور اليه من دون دولة، فضلا عن ان لا ولاء بعد لهذا الوطن من دون سواه. ولا تم التوصل الى اتفاق على كيفية الحؤول دون جعله ساحة مفتوحة لصراعات المحاور، ولا صار اتفاق على سبل تحييده عنها، ناهيك بالخلاف المستمر على اي نظام واي دستور يحكم هذا الوطن ويكون ملائما لتركيبته السياسية والمذهبية الدقيقة.
الواقع ان العبور الى الدولة ظل متعثراً منذ ان اخذ السلاح ينتشر خارجها، اي منذ ان تحولت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ثكنا ومعسكرات بعدما اقامت التنظيمات الفلسطينية شبه دولة في لبنان داخل الدولة وذلك بحجة ان سلاحها هدفه تحرير الاراضي الفلسطينية من لبنان... فكانت النتيجة ان احتلت اسرائيل جزءا من ارض الجنوب، لا بل بلغ احتلالها العاصمة بيروت فساد حكم الدويلات والميليشيات في لبنان مكان الدولة. وما ان تكررت محاولة العبور الى الدولة التي تستطيع ان تحكم نفسها بنفسها، حتى عاد السلاح لينتشر خارج الدولة بهدف تحرير الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، فكانت النتيجة ان لا اسرائيل انسحبت منها ولا المقاومة في لبنان تخلت عن سلاحها حتى للدولة فأصبح العبور الى الدولة القوية الواحدة مسارا طويلا وطريقا وعرة.
وعندما لا يتم العبور الى الدولة، فمن الطبيعي ان يبقى الوطن مجرد مشروع قيد الدرس وعيون ابنائه تتطلع الى خارج حدوده، هذه الى سوريا وتلك الى ايران او الى مصر والسعودية او الى فرنسا والولايات المتحدة الاميركية، وهو ما يشبه العودة الى زمن حماية الدول الست للبنان عندما كان لا يزال مشروع وطن، اذ ان كل دولة من هذه الدول كانت تتولى حماية مذهب او طائفة.
وعندما تلجأ كل طائفة او مذهب في لبنان الى خارج ما طلبا للحماية لان الدولة القوية القادرة على حماية الجميع غير موجودة، فمن الطبيعي ان يتحول لبنان ساحة لصراعات داخلية وخارجية، بل ملعباً للاعبين ولا سبيل الى اغلاق هذه الساحة وهذا الملعب الا اذا اتفق اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على تحييده بأي شكل من الاشكال عن هذه الصراعات، اذ لا يمكن التوفيق بين الا يكون لبنان ساحة وفي الوقت عينه ان يتوزع ابناؤه بين محاور عربية واقليمية ودولية على نحو يجعله غير مستقر سياسيا وامنيا واقتصاديا.
كذلك لم يتم التوصل الى اتفاق على تحييد لبنان ولو حيال الصراعات العربية، فيكون مع العرب اذا اتفقوا وعلى الحياد اذا اختلفوا لتجنب ان يكون مع هذا الطرف العربي او ذاك فينعكس ذلك سلبا على اوضاعه الداخلية وهو ما حصل ويحصل حتى الآن، مع العلم ان قرارات جامعة الدول العربية ليست ملزمة الا اذا اتخذت بالاجماع، وهو ما سعى اليه لبنان عند دخوله الجامعة لئلا يلزم نفسه تنفيذ قرارات اتخذت بالاكثرية وتكون مضرة بمصالحه الوطنية وسبباً لانقسام داخلي.
ولا يكاد اللبنانيون يتفقون على نظام او دستور يعتمدونه للدولة، حتى يعودوا ويختلفوا عليه خلال تطبيقه. فميثاق 1943 ما إن صار اعتماده لسنوات حتى وجد طرف لبناني ان فيه غبناً واجحافاً بحقه فأدخلت عليه تعديلات اقرت المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بحيث اصبحت النسبة 6 الى 6 بدلا من 5 الى 6 من دون تعديل في توزيع الرئاسات الثلاث على المذاهب. وعندما انتهى العمل بميثاق 43، صار اتفاق على ما عرف بـ"اتفاق الطائف" على امل ان يزيل شعور اي طرف بخوف او غبن، فصار لبنان، بموجب هذا الاتفاق عربي الانتماء بعدما كان ذا وجه عربي، واصبح دولة مواجهة بعدما كان دولة مساندة. لكن سوء تطبيق بعض بنوده وعدم تطبيق ما تبقى منها اعاد الشعور بالخوف لدى طرف وبالغبن لدى آخر اعتبر ان اتفاق الطائف لم يعطه حقه بحسب حجمه ودوره المستجد، فكان ذلك سببا لازمات حادة احدثت فراغاً نتيجة عدم التوصل الى اتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية، وعلى تشكيل حكومة، وحتى الى عدم الاتفاق على قانون للانتخابات النيابية. ولم يكن ثمة سبيل للخروج من هذه الازمات الا بعد مؤتمر الدوحة الذي خرج باتفاق تجاوز احكام اتفاق الطائف وبُرّر ذلك بالقول انه اتفاق تسوية وموقت، وصار اعتماد نظام جديد عُرف بـ"النظام التوافقي" بديلا من النظام الديموقراطي الذي بات تطبيقه صعبا ان لم يكن متعذراً مع وجود الطائفية فضلا عن وجود البندقية... فكانت النتيجة ان النظام التوافقي نفسه يحتاج الى وفاق والى آلية تُعتمد لحسم اي خلاف، فلا النظام الديموقراطي مقبولا لئلا تستأثر الاكثرية في اتخاذ قرارات لا تقبل بها الاقلية، ولا النظام التوافقي بدا حتى الآن انه قابل للحكم ولا هو كفيل بتحقيق الاستقرار السياسي، لان في داخله من يستطيع ادارة لعبة تعطيل القرارات، في حين "ان مفهوم التعطيل لا وجود له في اي دستور في العالم ولا في اية شركة تجارية".
وهكذا بات لبنان يواجه ازمة نظام سببها تركيبته السياسية والمذهبية المعقدة، وظهور مراكز قوى متعددة متنافسة وغير متوازنة، تضع الحكم بين خيارين: اما ان يدير الازمات، واما ان يدير التوازنات من دون ان يكون قادرا على معالجتها.
هذا الوضع الشاذ والمعقد جعل الرئيس حسين الحسيني يؤكد في حديث له "ان اتفاق الطائف هو دستور البلاد وان مؤتمر الدوحة جمع مجموعة من الميليشيات فأتت صيغة هذا المؤتمر من اجل ابقاء الوضع اللبناني المأزوم على ما هو عليه"، معتبراً ان "اي مجتمع في العالم يفتقر الى مؤسسات الدولة هو في عرضة دائمة للهزات الداخلية، كما ان اعتماد فكرة الشخصانية هو الذي يؤدي الى هذه المشكلات، لذلك لن يحل ازمة لبنان الا التأسيس للدولة".
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مَن يؤسس لهذه الدولة وكيف ومتى ما دامت الى جانبها دويلات وما دامت ساحة للصراعات الخارجية؟
|