منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من فضيحة شريط ابو عدس، وانفجار المطالبات بلجنة تحقيق دولية، ثم بمحكمة دولية لكشف الحقيقة ومقاضاة المسؤولين عن هذا الاغتيال والاغتيالات الاخرى التي أمكن التحقق من ترابطها، طرحت معادلة العدالة او الاستقرار. ومع تزايد الاغتيالات التي اصابت فريقا واحدا محددا في المسرح السياسي اللبناني، كان هناك من يحذر من ان مواصلة النضال من اجل كشف الحقيقة، ثم احقاق العدل بواسطة المحكمة الدولية هو بطاقة عبور لمزيد من القلاقل والاغتيالات وصولا الى الفتن. وفي هذا المجال انطلقت معركة العدالة منذ اليوم الاول الذي اعقب جريمة اغتيال الحريري، فقد طرحت فكرة لجنة تحقيق عربية بديلا من لجنة تحقيق دولية، ثم انطلقت معركة تحويل لجنة تقصي الحقائق برئاسة المحقق بيتر فيتزيرالد الى لجنة تحقيق دولية تحمل تفويضاً من مجلس الامن، ثم تطور الموقف مع تطور التحقيقات وتأكد المجتمع الدولي أن ما جرى وخرج من التحقيقات يعتدّ به من اجل الشروع في إنشاء محكمة دولية تعمل في اطار سلسلة قرارات دولية تبدأ بالقرار 1373 المتعلق بمكافحة الارهاب، وذلك بعدما صنفت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري جريمة ارهابية وجب على المجتمع الدولي ان يتعاون لايجاد آليات لكشف حقيقة الجريمة، والمتورطين فيها ثم سوقهم الى محكمة دولية في ظل عجز لبنان عن تحقيق العدالة.
لم تنطلق معركة العدالة مع بدء السيد حسن نصرالله مطالعاته التلفزيونية، بل في كل محطة سياسية او امنية (اغتيالات) كانت العدالة محور المعركة وقلبها. من اغتيال سمير قصير، الى اغتيال جبران تويني، وصولا الى اغتيال بيار الجميل. ولعل محاولة اغتيال المقدم سمير شحاده، ثم اغتيال النقيب وسام عيد، أتتا في سياق الحرب التي شنت على المحكمة.
وقد كانت حرب تموز في احد جوانبها جزءا من الخطة لقلب الواقع السياسي في لبنان وتعطيل مسار التحقيق والمحكمة، ثم كانت الازمة الحكومية وانسحاب وزراء "حزب الله" و"امل" واغلاق مجلس النواب بشكل غير دستوري لا سابق له لمدة 16 شهرا ونيف، جزءا مكملا للحرب على العدالة في لبنان. الى ان انتهت الامور بغزوات 7 و11 ايار 2008.
في الفصل الاخير من الحرب على العدالة، انتقال من المواجهة الاقليمية للمحكمة التي لم يعد من الممكن استمرارها علنا، الى مواجهة محلية بقوى داخلية مسلحة قادرة على طرح خيار العدالة او الاستقرار، وفي الوقت عينه التملص من الضغوط الدولية التي تسهل ممارستها على الدول بفعل تكوينها المحلي المستند الى واقع شعبي لبناني لا يرقى اليه شك. هكذا انتقل لبنان من واقع ان العدالة تدمر العلاقات اللبنانية - السورية، الى واقع ان العدالة تفجر الفتنة الداخلية في لبنان، وخصوصا ان تنظيما مسلحا ملاحقاً في معظم دول العالم هو الطرف المعني بطرح المعادلة. وهو متغلغل في طول البلاد وعرضها ومستعد لجر البلاد نحو فوضى يتغذى منها.
عندما اغتيل كمال جنبلاط طرحت معادلة العدالة او السلامة، وقد اختيرت السلامة. وتتابعت الاغتيالات وجلها من مصدر واحد، وباسم المصلحة العامة والسلامة جرى تناسي العدالة. الى ان اغتيل الرئيس رفيق الحريري. فتغير المعطى.
اليوم يقولون اتهموا اسرائيل فتبتعد الفتنة وتسلموا. وجوابنا: عين الفتنة ظلم ذوي القربى، وان تستمر الجريمة السياسية الارهابية في لبنان من غير محاسبة!
|