ان الوزير زياد بارود، نتيجة نشاطه ونظراً الى انتقاء رئيس الجهورية اياه، صار معرضاً للانتقاد بصورة متكررة، وصارت المحطات التلفزيونية في تحليلاتها السريعة تعتبره المسؤول عن حل مشكلة السير في يومين. الواقع ان المشكلة أوسع بكثير، ولها أوجه ضريبية وأخرى اجتماعية، كما انها ترتبط بنزعة اللبنانيين الى التشاوف.
واستناداً الى إحصاءات وزارة الداخلية، كانت هناك 1،644،307 سيارات وشاحنات وباصات مسجلة في لبنان عام 2007.
ويمكن اعتماد زيادة هذا العدد 70 الف سيارة جديدة ومستوردة مستعملة سجلت عام 2008 وعام 2009، وتالياً يصير المجموع التقديري للسيارات والمركبات المسجلة على مستوى مليون و720 الف سيارة.
بكلام آخر، وعلى افتراض عدد اللبنانيين المقيمين على مستوى 4،2 ملايين نسمة، تكون هناك لكل 2،5 لبنانيين ولبنانيتين سيارة قيد الاستعمال، وهذا معدل بالغ الارتفاع لبلد لم تزد فيه الطرق بنسبة مماثلة في الفترة المشار اليها، علماً بان ازدحام السير بحسب تقديرات مؤسسات مختصة انجزت دراسات عن موضوع اختناق السير بين عامي 1995 و1997 يؤدي الى خسارة 10 في المئة من اوقات العمل، الامر الذي يساهم في انخفاض الانتاجية وارتفاع الكلفة الحقيقية للانتاج.
وتشير التقديرات الى ان 40 في المئة من اللبنانيين هم من سكان بيروت وضواحيها، وبما ان معدل الدخل لهؤلاء هو أعلى مما هو في المناطق، يفترض ان تكون نسبة تملك السيارات لهذه المجموعة اعلى مما هي وسطياً في لبنان.
ولنفترض ان هذه النسبة توازي 50 في المئة، يكون هناك نحو 900 الف مركبة في بيروت تقريباً.
تضاف الى هذا الرقم اعداد السيارات الوافدة الى بيروت من المداخل الشمالي والجنوبي والشرقي للعاصمة، وهذه استنادا الى الاحصاءات المتوافرة تقدّر بالآتي، علماً بان غالبية المركبات الوافدة تغادر بيروت، كما ان عدداً من سكان بيروت ينتقلون الى خارج بيروت للسهر او ما شاكل ذلك:
- 220000 سيارة من المدخل الشمالي.
- 100000 سيارة من المدخل الجنوبي.
- 150000 سيارة من المدخل الشرقي.
وعليه تعج بيروت خلال ساعات العمل بما يفوق المليون وربع المليون من السيارات.
وبما ان مساحة مواقف السيارات انخفضت خلال هذه الفترة لان الكثير من المواقف تحول الى مشاريع اعمارية، يمكن التأكيد ان وضع السير لا يطاق، ذلك انه يهدر الموارد والاعصاب في آن واحد، كما يستوجب زيادات ملحوظة في اعداد شرطة السير والدراجات النارية ووسائل الاتصال اللاسلكية الخ.
واختناقات السير الناتجة من كل الأسباب المذكورة اعلاه وغيرها تؤدي، بحسب دراسة اجرتها عام 1994 جمعية الصناعيين، الى خسائر على صعيد الاقتصاد الوطني وازت 900-1000 مليون دولار أو ما كان يساوي نسبة ثمانية في المئة من الناتج القومي القائم. واستنادا الى دراسة أنجزتها مؤسستنا للدراسات احتسبت، إضافة الى عناصر دراسة جمعية الصناعيين، التكاليف غير المبررة لاستيراد قطع الغيار ومشتقات البنزين وتأثير تأخر السير على تركيز التلامذة الذين يذهبون الى المدارس بنسبة 50 في المئة من عددهم الإجمالي بواسطة الباصات، الأمر الذي يجعل الاهدار المتصل للموارد الاقتصادية والإنتاجية على مستوى 12 في المئة من الدخل القومي القائم. وتقديرنا لحسابات الدخل القومي، بما فيها النشاطات غير الرسمية، ان هذا الدخل يوازي 45 مليار دولار والخسارة 5،4 مليارات دولار.
الحل
في محاضرة القاها اللورد ريتشارد روجرز، وهو من كبار المهندسين المعماريين في العالم وكان مستشاراً لمحافظ مدينة لندن خلال السنوات التي تمت خلالها معالجة قضية السير في هذه المدينة العظيمة، أكد ان حل مشكلة السير في لندن استوجبت:
- توافر وسائل النقل العام لسكان لندن في مراكز لا يبعد أي منها عن مناطق السكن والعمل أكثر من خمس الى سبع دقائق سيراً على الاقدام، وتشجيع المواطنين على استعمال وسائط النقل العام.
- رفع رسوم الدخول الى وسط العاصمة الى حدود قصوى.
- زيادة استعمال الدراجات الهوائية وتأمين توافرها بسهولة كما في باريس.
- التحول تدريجاً انما بسرعة نحو اعتماد السيارات الصغيرة والهجينة في الوقت ذاته من اجل تخفيف نسب التلوث.
- تحفيز المواطنين على العمل من خارج العاصمة، وهذا الامر صار متاحاً مع تقدم تقنيات التواصل واجراءات العمل.
- اعتماد المترو، ان كان ثمة امكان لذلك، وفي حال تعذر الموضوع، ربما اعتماد النقل بواسطة المركبات الكهربائية على خطوط تمد على ارتفاع فوق الأرض لا يتعارض مع حركة السير العادية.
هذه هي صورة المشكلة التي نعانيها في بيروت بصورة خاصة، ولا نرى ان ثمة توجهات للمعالجة جذرياً عن سبيل اعتماد الإجراءات التي اعتمدت في لندن مثلاً.
|