دور التمثال الفرعوني الشهير "ابو الهول" الذي صار عبر التاريخ رمزاً للصمت. وفي المقابل هناك زعيم لحزب مدجج بصواريخ قادرة على زج لبنان مجدداً في حرب مع اسرائيل هو السيد نصرالله يتكلم في أدق التفاصيل حتى بات يستحق لقب ابو الكلام.
خطورة ما قاله الامين العام لـ"حزب الله" في الماضي وما قاله اول من امس او يمكن ان يقوله غداً هو انه ينطوي على مقدرة تنفيذية. اما السلطة التنفيذية المكلفة من اللبنانيين ممارسة سلطتها فتلوذ بالصمت غالباً كما ابو الهول الفرعوني. لكنها تخرج عن صمتها احياناً لتعطي "حزب الله" صك براءة في منعطفات مصيرية، كما حصل اثناء ازمة "اليونيفيل".
تذكير نصرالله بالخامس من ايار عام 2008 هو ايضاً تذكير بالسابع من ايار من العام نفسه عندما تكلم نصرالله مهدداً متوعداً ونفّذ تهديده ووعيده على مرأى من السلطة وقواها الأمنية. وليس خافياً ان ما قاله زعيم "حزب الله" حول فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي يستبطن هجوماً لا احد يعلم كيف سينفذ.
المأساة تتكرر اليوم، كما حصلت في 7 ايار 2008. الجيش تحوّل الى متفرّج عندما كان "حزب الله" وحلفاؤه يشعلون فتنة في بيروت وعدد من المناطق. واليوم، كل المعطيات تؤكد ان فرع المعلومات كان السباق الى كشف أمر عميل شركة الاتصالات فيما يلوذ من يتولى امر مخابرات الجيش بالصمت حيال الهجمة التي يشنها نصرالله انطلاقاً من افضلية المخابرات على فرع المعلومات في هذه القضية.
ربما كانت الامور اتخذت اتجاهاً مختلفاً لو ان المسؤولين عن مخابرات الجيش سارعوا منذ اليوم الاول لتوقيف عميل "الفا" الى اصدار توضيح من بضع كلمات يتحدث عن دور فرع المعلومات. إلا ان الصمت ظل مطبقاً. كما ظلت دوائر نسج الروايات تنشط في تكوين ملف من الاوهام حتى حط اخيراً على مائدة الكلام عند نصرالله.
الخطر مستمر اذا ما بقي التعامل مع ما يقوله نصرالله على اساس انه لا يستوجب الرد من السلطة التي يستهدفها. كل الردود التي تصدر عن نواب وقيادات سياسية لن تعفي السلطة من الرد. فالموضوع هنا يتعلق بفئة تفوق الدولة بقدرات السلاح وليس بقدرات الكلام فقط. لكن المشكلة تكمن في ان بعض السلطة قدم فروض الطاعة الى "حزب الله" وهذا ما يمكن تلمسه في حكاية "الفا" الى يائها.
عندما يعلن السيد نصرالله الحرب اليوم على المحكمة الدولية ويصفها بأنها "مشروع اسرائيلي" فهو يعني انه ذاهب اليها غداً. وهو لن يذهب وحيداً بل سيأخذ لبنان بأسره معه كما فعل في حرب تموز 2006. ولا اعذار مقبولة من السلطة المكلفة حماية اللبنانيين ان تتمتع بـ"فضيلة" الصمت مجدداً. في مرحلة مصيرية كالتي يعيشها لبنان اليوم. والمشكلة لن تنتهي غداً اذا ما صمت المسؤولون اليوم. لأن كلام نصرالله اليوم هو الفعل غداً.
ملايين السيّاح من كل انحاء العالم يزورون مصر سنوياً للتمتع بعجائب حضارة الفراعنة ومنها اعجوبة ابو الهول الذي يربض صامتاً وصامداً منذ آلاف السنين في مواجهة التاريخ. وفي لبنان، ملايين المواطنين يتعجبون لصمت المسؤولين الذين يقفون متفرّجين على وطن مهدد بأن يكون من التاريخ.
|