لم تكن اشتباكات "اللون الواحد" التي عمت طوال ليل الثلثاء - الاربعاء الماضي معظم احياء بيروت مفاجئة. فما حصل كان يجب ان يحصل كنتيجة لبقاء بيروت مدينة محتلة بقوة السلاح المليشيوي. ولم يكن مفاجئا ان يتحول الامن الشرعي ممثلا بالجيش اللبناني الى لجنة امنية فكانت مديرية المخابرات في بيروت اشبه بديوان شيخ الصلح بين عشائر متناحرة. لم تعالج اسباب الانفلات الامني الذي روّع آلاف المدنيين في ليل رمضان في قلب الاحياء الاسلامية من بيروت، ولم يفرض الامن الشرعي نفسه كسلطة وحيدة على الارض إلا من خلال احياء منطق اللجان الامنية، رغم ان الطرفين المتنازعين بسلاح متوسط وأسلحة مضادة للدبابات في قلب الاحياء الشعبية اعترفا بان القضية كانت تافهة. فكيف كانت لتكون لو كانت قضية ذات بُعد سياسي؟
بالطبع لا يسعنا ان نجزم بأن ليس في الامر "لعبة" ما مدروسة لتعويم جهة في اطارها الطائفي المذهبي لأهداف تتصل بلعبة موازين القوى والمحاولة الدائرة لاعادة ابتلاع لبنان من جديد. ولا يسعنا ايضا ان نجزم بان ما حصل لا يأتي من ضمن لعبة الرسائل المتبادلة بين مرجعيات اللون الواحد. ولكن ما يمكننا الجزم به هو ان ما حصل كان اعتداء صريحا من السلاح المليشيوي على أمن المواطنين العزل وسلامتهم في عاصمة لبنان، بيروت.
لقد غرقت القوى السياسية في النقاش والسجال بشأن سلاح "حزب الله" في اطار الاستراتيجية الدفاعية، وغيب اساس المشكلة: السلاح في الداخل. وتحت لافتة "مقاومة" اختلطت الامور وصار السلاح الميليشيوي سلاحا "مقدسا" اجاز البعض لنفسه ان يستخدم السلاح لحمايته بقتل لبنانيين عزل أيضاً. تذكروا 7 و11 أيار في بيروت والجبل.
في اعقاب غزوات 7 و11 أيار ارتفعت أصوات تنادي ببيروت مدينة منزوعة السلاح، ثم اتت تسوية "الدوحة" لتذويب المطلب في عبارة جاءت في الاتفاق تنص على عدم جواز استخدام السلاح في الداخل أو لأغراض سياسية. ثم كانت المصالحات التي صيغت على عجل وكانت اقرب الى الاستسلام والقبول بالامر الواقع وصولا الى تهليل البعض له والتغني به.
هدأ الشارع وبقيت المشكلة الاساس: السلاح. بمعنى ان التمييز بين سلاح الداخل والسلاح لمقاومة اسرائيل غير ممكن بعدما رفع "حزب الله" سلاحه في وجه اللبنانيين في أيار 2008، وتهديده اياهم به باستمرار بمناسبة وفي غير مناسبة، في الاستحقاقات السياسية او الاستحقاقات القضائية. فالتهديد بحرق البلد في حال تشكيل حكومة اكثرية في 2009 استند الى السلاح. والتهديد بحرق البلد في حال صدور القرار الاتهامي استند الى السلاح. وفي الحالين لم يكن من تمييز بين سلاح مقاوم وسلاح ميليشيوي.
لا فرق بين سلاح المقاومة وسلاح الميليشيا فـ"حزب الله" متغلغل في طول البلاد وعرضها، يحتل بيروت ويجوّف الجبل وينتشر في أعالي سلسلة لبنان الغربية من تومات نيحا الى أعالي تنورين، وفي جرود عكار، ومعظم البقاع من أقصاه الى أقصاه. واسرائيل في كل هذا مغيبة.
ما لم يسحب السلاح كل السلاح أياً تكن تسميته، وتبسط الشرعية اللبنانية سلطتها على الاراضي اللبنانية كلها جهة وحيدة تملك حق استخدام العنف تحت القانون، سيبقى لبنان يحترق على وقع حروب الميليشيات كما حصل قبل يومين. ومهما قيل تحت تأثير الخوف او التوتر تبريرا للاستسلام الى الامر الواقع سيبقى منطق الميليشيات طاغياً وسيداً في لبنان الى ان يزول الكيان او"يتصومل"!
|