يمكن اعتبار ثلاثة أرقام عن تطورات واجهها لبنان منذ ثلاث سنوات من أفضل المؤشرات التي حققها البلد في تاريخه الحديث.
اولا: تشير إحصاءات مصرف لبنان ودراساته الى ان عدد اللبنانيين المقيمين في البلد ارتفع منذ 2007 حتى نهاية 2009 بنسبة 20 في المئة. وقد ردد هذا الاحصاء البالغ الاهمية حاكم مصرف لبنان في محاضرتين او مداخلتين على الاقل، ولكنه لم يحظ بالتحليل المطلوب ان على صعيد التأثير على الانفاق الاستثماري أو الاستهلاكي، ام على صعيد التجديد والتطوير المؤسساتي.
ثانيا: عام 2009 استورد لبنان منتجات بلغت قيمتها 16،5 مليار دولار وصدر منتجات بما يساوي 3،5 مليارات، فكان عجز الميزان التجاري على مستوى 13 مليار دولار، أو ما يمثل أكثر من 3000 دولار من العجز للمواطن اللبناني الواحد.
في المقابل، وعلى فداحة ارقام عجز الميزان التجاري، حقق لبنان فائضا على حساب ميزان المدفوعات – وهو الميزان الذي يحتسب جميع النفقات مع الخارج والتدفقات من الخارج – يساوي ثمانية مليارات دولار. وهذه النتيجة تحصلت لان التحويلات الى لبنان من اللبنانيين العاملين في الخارج تجاوزت الثمانية مليارات دولار، كما ان تحويلات ارباح الشركات العاملة في الخارج والاستثمارات المباشرة من الخارج ايضا، كلها ساهمت في رفع حجم التدفق على لبنان الى ما يفوق الـ21 مليار دولار التي تسببت، بعد حسم أرقام عجز الميزان التجاري البالغة 13 مليار دولار - بتوافر الفائض المشار اليه والذي تجلى في ارتفاع موجودات المصارف اللبنانية بنسبة 23 في المئة.
ثالثا: مبيعات الشقق المرتفعة الثمن في الابنية المواجهة للبحر أو في منطقة الاشرفية، المنطقة التي تطورت ولا تزال الى حد الاختناق، تركزت بنسبة 60 في المئة على اللبنانيين، على عكس الانطباع العام. ذلك ان قرار هؤلاء اللبنانيين شراء شقق تمثل اثمانها نسبة ملحوظة من موجوداتهم النقدية كانوا يعبرون عن ثقتهم بمستقبل البلد ورغبتهم في استعادة صفة الاقامة الدائمة والعمل والمساهمة في تنشيط الاقتصاد وتحسين التوقعات المستقبلية، ولا شك في انهم كانوا من زيادة الـ 20 في المئة في عدد السكان العائدين الى لبنان.
ثلاثة مشاريع عقارية ضخمة انطلقت في منطقة الاشرفية هذه السنة (2010) ستضيف الى المساحة المبنية أكثر من مئة الف متر مربع مبني فوق الارض، وبالتأكيد أكثر من 40 الف متر مربع تحت الارض تكفي لاستيعاب 1500 سيارة. هذه المشاريع الثلاثة تمت برؤوس أموال لبنانية، منها مشروعان يعودان الى فريقين نجحا في أعمالهما في الخارج خلال السنين العشر المنصرمة.
في مقابل الزخم الاستثماري الذي تراخى منذ احداث الجنوب وتعرض فرق راكبي الدراجات لقوى "اليونيفيل" وارتفاع حدة التصريحات الإسرائيلية وقادة المقاومة اللبنانية، نجد ان احصاءات هذه السنة حتى تاريخه، وان تكن دون المتحقق عام 2009، لا تزال ايجابية. فميزان المدفوعات حتى تموز وفر فائضا مقداره 1،400 مليون دولار (في مقابل 4000 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام المنصرم). ومعدل النمو كان على مستوى ستة في المئة في مقابل تسعة في المئة العام المنصرم وموجودات المصارف ارتفعت بنسبة 10 في المئة في مقابل 23 في المئة عام 2009، وحركة السياحة – التي كان مقدراً ان تزداد بنسبة 30 في المئة 2010، لن تحقق زيادة تفوق 12 - 15 في المئة.
اذا استمرت الاوضاع الامنية مستقرة، والاحداث والصدامات الاخيرة توحي بغير ذلك، يمكن ان تمر السنة على لبنان، اقتصادياً، بسلام.
لكن امكانات النمو لهذا الشعب الناشط خارج بلده أكثر منه داخله أكبر بكثير مما نسمح بتحقيقه. والامر المقلق بالنسبة الى المستقبل هو ان أعناق الاختناق الادارية وممارسات اعمال الاعاقة من اجل تحصيل منافع غير شرعية، كلها امور تؤخر مسيرة النمو وتنال من سمعة لبنان. ويبقى ان ما يدعو الى العجب هو استمرار النمو والتنوع والتحديث في بلد واقف على حافة الانهيار وأهله يتطلعون الى أبعد الآفاق وأكثرها وعداً.
ويبقى ان على لبنان، البلد الطامح الى النمو والعصرنة، ان يحقق تحسينات جذرية في عام 2010 في مجالات عدة، أهمها:
- تحسين وزيادة انتاج الطاقة الكهربائية، وصيانة المعامل، وتحسين شبكة التوزيع. وعلى رغم التصريحات المختلفة للوزير المسؤول والمساندة المكشوفة من فريق المعارضة له، يمكن التأكيد ان في الامكان أكثر مما كان. وعندما يقول كمال حايك، نحن نعمل بطاقة بشرية اعمارها متقدمة نسبيا موازية لثلاثين في المئة فقط من الجهاز الوظيفي السابق، نتساءل: لماذا كان الجهاز فضفاضاً والتردي متواصلا؟
- صيانة شبكات توزيع المياه وتطويرها بحيث تنخفض خسارة المياه التي تتسرب من قنوات التوزيع بما يزيد عن 50 في المئة من طاقتها الفعلية، فننتهي في أحسن الاحوال الى تسلم 50 في المئة فقط من الكميات المفترض ان نتسلمها، وليس هناك من يقيس أو يحاسب. وبالفعل، ان قضية المياه هي أهم قضايانا المستقبلية لان للمياه منافع اقتصادية واجتماعية وسياحية بالغة الاهمية.
- اذا استمر الوضع مستقراً من دون تهديدات وتصعيدات سوف يكون في الامكان بدء ترسيخ لبنان مركزاً مالياً اقليمياً سياسياً. فالقدرات متوافرة، وحتى الامكانات الى حد كبير، لكن المناخ الامني والتشريعي غير مشجع، والادراك الاقتصادي للقيادة السياسية والقاعدة النيابية يحتاج الى صقل وتحفيز.
وبعد كل ذلك، يعيش اللبنانيون بين الامل واليأس، والمسؤولية الاولى هي على عاتق الطاقم السياسي الذي لم يشهد تجديداً بل تشتيتاً وغرقاً في الصغائر.
وافضل برهان على ذلك توافر مشروع تنظيم سوق مالية بحسب أفضل شروط العمل الدولية منذ سنوات، وقد وضعت دراسته الاولية عام 1992 - 1993 ولا يزال المشروع مشروعاً لم يدرسه النواب. وتالياً يبقى لبنان حتى في حال استقرار الاوضاع الامنية، عاجزا عن ان يكون مركزاً مالياً اقليمياً بالمعنى الصحيح.
|