شكّل اشتباك "اللون الواحد" الواسع النطاق ليل الثلثاء الفائت دليلا جديدا على ان السلاح المليشيوي، نعم المليشيوي (والوصف ينطبق على سلاح "حزب الله" ) لا يقتل الخصوم فقط مثلما حصل في غزوات بيروت والجبل في 7 ايار 2008 و11 منه، بل ان ناره تصل في النهاية الى الاصدقاء والحلفاء مثل "الاحباش" لتلتهم الاقربين ايضا. هذا ما كان يعانيه السلاح الفلسطيني، ثم سلاح ورثته في المناطق الاسلامية، وكذلك السلاح المليشيوي المسيحي في حقبة الحرب، فسفكت دماء الاصدقاء وبناء اللون الواحد تماما مثلما سفكت دماء الخصوم والاعداء، وانهار البلد. حتى عندما قام مشروع توحيد البندقية في غير منطقة كان السلاح مشروعا فتنويا ادى الى مذابح.
لم يقدّم السلاح الفئوي مرة حلولا. وبالتأكيد فإن سلاح "حزب الله" الذي له الصبغة الاحتلالية في غير مكان لا يقدم حلولا بل انه يولد الازمات، ويمهد لمزيد من ارهاق الدم، ومزيد من اللااستقرار، والقلق، وينشر مشاعر عدائية في طول البلاد وعرضها. فاحتلال بيروت، واستخدام السلاح التأديبي لاهلها، ومحاصرة الجبل ومحاولة تجويفه على كل المستويات، رغم المصالحات، والتمركز وراء جميع المرتفعات في سلسلة جبال لبنان الغربية، ونشر القواعد العسكرية من البقاع الغربي الى اقليم الخروب الى منطقة الغرب في عاليه تحت ستار المشاريع الاسكانية، كل هذه الحقائق تجعل من لبنان سجنا كبيرا يضيق بمئات آلاف السجناء الذين يعيشون في مناخ البلطجة الدموية.
لقد كانت اشتباكات بيروت دليلا صارخا على ان الاستسلام للامر الواقع، والقبول بمنطق السلاح بداعي تجنيب البلاد خضات وفتنا انما يقربان الفتنة اكثر، ويزيدان اشتعال الموقف عند المحطات الحساسة. فتغييب الدولة وتمزيق المؤسسات الشرعية من شأنهما مع الوقت ان "يصوملا" لبنان.
عندما طرح شعار بيروت مدينة منزوعة السلاح في اعقاب غزاوت ايار 2008، انتهت المسألة بأن تلاشى الشعار وترسخ الوجود المليشيوي في العاصمة. وعندما قلنا ان الجيش المرابط سيتحول حارسا للاحتلال المليشوي، قيل لنا هذه مبالغة. الى ان جاءت اشتباكات "اللون الواحد" والطريقة التي عولجت بها لتؤكد ان شيئا لم يتغير، وان الشعار الذي جرى تناسيه قبل عامين كان صائبا، لكن اصحابه لم يدافعوا عنه، ولم يناضلوا لتحقيقه. هذا ما نخشى ان يتكرر اليوم، فتتراجع الاصوات بعد مدة ليعود صوت الميليشيا هو الصوت الطاغي ليس في العاصمة وحدها بل في كل مكان.
على الاستقلاليين في لبنان ان يرفعوا الصوت في كل مكان ضد السلاح الموجه نحو صدورهم، من بيروت الى الجبل بشقيه، فالشمال والبقاع. انه سلاح السجان، وسلاح السجان هذا ما عاد يشبع من لحم الخصوم العاري.
|