«حوالي 30 مليار دولار خفض نفقات الدولة خلال سنتين لمواجهة الدين العام.. هذا في ايطاليا صاحبة الدين العام الأكبر في منطقة اليورو، والمبلغ بالكاد يكفي. حيث التوقعات لمعدلات النمو الايطالية هذا العام ليست دقيقة اضافة الى تهديدات الاتحادات العمالية الغاضبة بالنزول الى الشارع حيث الخفض سيطال جزءاً كبيراً من حقوقها ومكتسباتها، الصحية والاجتماعية، وموظفو الدولة سيواجهون خفضاً في رواتبهم لمدة 4 سنوات والبلديات (الحكومات المحلية)ستنخفض ميزانياتها أيضاً .
وبالمقارنة النسبية فان أحوال الدولة اللبنانية ليست أفضل من حال ايطاليا، بل هي في العديد من جوانبها أسوأ حالا. حيث الدين العام في ايطاليا يشكل حوالي 120% من الناتج المحلي الاجمالي، بينما الدين العام في لبنان أكثر من 150% من الناتج اللبناني وسيقترب خلال سنتين من حوالي 60 مليار دولار، فيما عجز الموازنة الايطالية حوالي 5% من الناتج الايطالي بينما عجز الموازنة اللبنانية أكثر من ضعف هذا المعدل بالمقارنة مع الناتج اللبناني. كما انه في ايطاليا لدى موظفي وعمال القطاعين العام والخاص الكثير من المكتسبات بما يسمح حرمانهم من البعض منها، في بلد كان (وما يزال الى حد ما)أحد معالم الحركات الشيوعية العريقة في أوروبا، وبالتالي تستطيع الدولة ان «تحسم« من تلك المكتسبات (ولو بثمن غال بسبب وجود اتحادات عمالية غاضبة)واما في لبنان فانه ليس لدى الموظفين والعمال ما يكفي رواتبهم وأجورهم من «الخميرة» لتخبز بها الدولة قرارات خفض رواتب وأجور .
ليبقى السؤال الأهم: ولكن لماذا وكيف تستمر الدولة اللبنانية في وضعها المالي الحالي، ودون ان تضطر (حتى الآن؟)الى عملية جراحية على الطريقة الايطالية .
الاقتصاديون العارفون لديهم أجوبة متنوعة :
1 ـ وجود سيولة عالية لدى القطاع المصرفي اللبناني أعلن عن حجمها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال كلمه له في فرنسا أخيراً بانها 30 %.
2 ـ وجود احتياطيات عالية لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تتعدى الـ31 مليار دولار ومع الاحتياطيات الاضافية والذهب تصل ـ كما أعلن أخيراً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ـ أكثر من 50 مليار دولار .
3 ـ كون الودائع المصرفية في لبنان أكبر من 300 من حجم الناتج المحلي الاجمالي .
4 ـ وجود دفق مالي من 15 مليون لبناني مغترب عامل ومستثمر في العالم .
5 ـ وجود استثمارات خارجية للقطاع المصرفي اللبناني تؤمن حتى الآن حوالي 30% من أرباح المصارف بما يمكنها من دفع فوائد عالية للدفق الايداعي المالي الى لبنان .
6 ـ صحيح ان نسبة الدين العام في لبنان بالنسبة للناتج هي أكثر من 150% وبالتالي أكبر من النسبة في لبنان، لكن يبقى أن حجم الدين العام اللبناني جزء كبير منه بالعملة الوطنية، والباقي جزء منه لمؤسسات حكومية أو شبه حكومية ولمصرف لبنان ولدائنين محليين ولدول شاركت في مؤتمر باريس2 و3 .
7 ـ امكانية تحقيق نمو أكبر باستمرار اذا توافرت العوامل الأمنية والسياسية بما يمكن من تسديد اجزاء من الدين العام .
8 ـ ما زالت أملاك الدولة اللبنانية دون خصخصة، ويمكن استخدام اجزاء منها عند اللزوم في خصخصة كاملة أو جزئية لاطفاء أجزاء من الدين العام .
9 ـ وجود أملاك عقارية كبيرة لدى الدولة يمكن استخدامها خصوصاً متى استمرت أسعار العقارات في الارتفاع .
10 ـ وجود بيئة مالية عربية حول لبنان تساهم تقليديا في قطاعاته المصرفية والمالية والعقارية، ولها أحيانا الطابع السياسي الاقليمي الايجابي لجهة حرصها على ما تملكه في لبنان من موجودات يهمها عدم هبوط قيمتها بل ارتفاع أسعارها كي تحقق لها أرباحاً من تنويع استثماراتها في المنطقة والعالم .
ومع ذلك.. هناك من الاقتصاديين اللبنانيين والعرب وبعض المؤسسات الدولية بما فيها وكالات التصنيف، من لا يعطي لبعض أو لأكثرية هذه العوامل المشار اليها الأهمية الكافية. ويرى ان لبنان اذا لم «يلملم»وضاعه، ويسير في مرحلة الاصلاحات الهيكلية والادارية والمالية، ويسعى منذ الآن وبجدية ومسؤولية الى خفض نفقات دولية ووزاراتها ومؤسساتها، وصولا الى خفض عجز الموازنة والبدء برحلة فورية لخفض الدين العام تدريجيا، لا سيما انه معرّض باستمرار لأزمات أمنية وسياسية، كما حصل في الماضي، فانه سوف يواجه صعوبات كبيرة على غرار ما شهدناه في الماضي في الأرجنتين وما نشهده الآن في اليونان واسبانيا والبرتغال وربما غداً في ايطاليا وحتى بريطانيا، وبما يقتضي الحذر ودون تأخير وانطلاقاً من المثل اليوناني التاريخي القائل: عندما يأتي القدر لا ينفع الحذر !
|