من يفسّر كل شيء بنظرية المؤامرة هو نفسه من يعالج كل شيء بالتآمر
مفهومهم لـ"المقاومة" تخويني بالضرورة
لا تزال ردّة فعل المجتمع السياسيّ على الموجة الأخيرة من التخوين "الممانعاتيّ" دون المستوى المطلوب.
هذا في وقت تحمل هذه الموجة مضموناً شديد الخطورة، يؤشّر على الصعيد الداخليّ إلى استكمال عدّة "النظام الأمنيّ الجديد المواكِب للممانعة المسلّحة"، كما يعني على صعيد علاقة الداخل بالخارج أخذ البلد رهينة بشكل أتمّ وأشمل مما عليه الحال اليوم.
ففي تصوّر قوى "الممانعة" أنّ اللحظة السياسيّة والأمنيّة الآن هي لأخذ البلد رهينة بالشكل الوافي والضروريّ بغية حمل الهيئات الدوليّة المتابعة لشؤون لبنان على "تأجيل" إستحقاقاتها، ويعني ذلك الأطر الأممية المكلّفة متابعة القرارات 1559 والـ1680 والـ1701، فضلاً عن المؤسسة القائمة المتمثّلة بالمحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان.
في تصوّر قوى "الممانعة" أنّ لا قدرة لـ"المجتمع الدوليّ" أو للغرب على التدخّل في لبنان أو على ممارسة أي تحرّك يحول دون أخذ هذا البلد كرهينة، وأنّ العين الغربيّة أو الدوليّة المستمرّة في مراقبة الوضع اللبنانيّ، وإبداء المواقف تجاهه، لا تريح في الوقت نفسه المصالح الحيويّة لمعسكر "الممانعة" في لبنان. إذاً من الضرورة الإسراع في أخذ البلد كرهينة.
أي أنّ المطلوب "ممانعاتياً" كفّ العين الغربيّة أو الدوليّة فلا تعود ترى، وإحباط المقاومة السياسية والثقافية للشعب اللبناني بحيث لا يعود هذا الشعب يأمل بأن تراه عين غربيّة أو دوليّة، ولا بأن يلحظه قانون دوليّ، ولا أن تحترم قرارات دوليّة تضمن حقّه في تقرير المصير والعيش بطمأنينة وسلام مثل غيره، ولا أن تكشف المحكمة الدوليّة المستور.
أمّا سبب تواضع ردّة فعل المجتمع السياسيّ، وكذلك المجتمع المدنيّ والمثقفين، على هذه الهجمة التخوينيّة فمردّها أمران متناقضان في الأساس. فمن جهة، هناك قلق واقعيّ حقيقيّ يرجع إلى الإختلال المطلق في التوازن الأمنيّ بين الجماعات اللبنانيّة، ما دامت واحدة منها فقط تحتكر السلاح، وتأخذ عن المصدر نفسه الذي يمدّها بالمال والسلاح تلك الأيديولوجيا التخوينيّة بطبيعتها كونها تقسّم كل مجتمع إلى وطنيين وعملاء.
فإذا كان مفهوم "حركة التحرّر الوطنيّ" يقوم على العمل لتشكيل أوسع إئتلاف وطنيّ في بلد مستعمر أو شبه مستعمر تأمينًا لسبيل الإستقلال، فإنّ مفهوم "المقاومة" كما تسوقه الممانعة، وكما توكله الممانعة للحركات الأصوليّة والغلاة، يقوم بالضد منه على تقسيم كل مجتمع بين وطنيين "ناشطين" ووطنيين "مساعدين" وعملاء "سلبيين" وعملاء "إيجابيين" للعدوّ، وذلك إلى درجة أنّه اليوم لا يرد العداء لإسرائيل في خطاب الممانعة إلا في سياق إستهلال حملة على أطراف داخلية، أي على "الإتصالات والإقتصاد والإعلام والثقافة والتربية والتعليم" كما أتحفنا أمس الأوّل.
فمفهوم "المقاومة" هذا الذي لم تقتبسه "حركات التحرّر الوطنيّ" من تجربة "المقاومات" في أوروبا إبان الحرب العالميّة الثانية إلا من باب الكنية والإستعارة والتشبّه بالبطولات، وليس من باب إحلاله مكان مفهوم "حركة التحرّر الوطنيّ" نفسه، هذا المفهوم صار عنصراً أساسيّاً من عناصر إضعاف الشعور الوطنيّ اللبنانيّ والقوميّ العربيّ. والمعركة الثقافية في لبنان اليوم هي بين مفهوم "حركة التحرّر الوطنيّ" الذي يجد إستمرارية أكيدة له في المفهوم الإستقلاليّ لـ"قوى 14 آذار" وبين مفهوم "المقاومة" الذي لا خيار لديه بين أن يكون "تخوينياً" أو "لا تخوينيّاً"، ذلك أنّه تخوينيّ بالضرورة للشريك في الوطن، مثلما كانت المقاومات الأوروبية في إبان الحرب العالميّة الثانية تخوينية بالضرورة لشرائح وبيئات في البلد نفسه. ففي فرنسا مثلاً، كان الشرخ بين "المقاومة" الشيوعيّة أو الديغوليّة وبين كل فرنسا اليمينية والملكية والكاثوليكية التي تحلّقت حول "حكومة فيشي" والماريشال بيتان شرخاً ممتداً لأيّام الثورة الفرنسيّة، وكانت المقاومة إذاً "تخوينيّة" بالضرورة لذاك النصف الآخر من فرنسا. لكن ذلك لا يمكن أن يسري كنموذج يتبع في المستعمرات السابقة وأشباه المستعمرات، حيث الأولويّة لمفهوم "حركة التحرّر الوطنيّ" وليس لمفهوم "المقاومة"، ولتأمين تحقق الفسيفساء الإثنية والدينية في دولة أمّة بشكل واقعيّ، ومرن، ومسالم، ومتدرّج. لا بل يمكن اضافة أنّ حركات التحرّر الوطنيّ في العالم الثالث عادة ما نكبت نفسها بمفهوم "المقاومة" حين تجاوز حدّ الكنية والإستعارة ليفرض نفسه كمفهوم أساسيّ.
المشكلة إذاً ليست مع "حزب الله" فقط، أو "المقاومة الإسلامية" فقط، وإنّما مع الإستحضار الممانعاتيّ لمفهوم "المقاومة"، خارج سياقه الأوروبيّ، وزمنه، زمن الحرب العالمية الثانية، وبالضد من مفهوم ما زال كليّ الراهنية إذا ما أحسن فهمه، وهو مفهوم "حركة التحرّر الوطنيّ"، الممثلة اليوم في لبنان بالحركة الإستقلالية، حركة 14 آذار.
ومن علامات المشكلة أنّ مفهوم "المقاومة" هذا يقوم على تفسير تآمري لطبيعة الأشياء. تفسير تآمريّ للإقتصاد والإعلام والتربية والثقافة. حتى إذا تطوّعت دار نشر فترجمت رواية لعاموس عوز أعتبر ذلك تآمراً. في الوقت نفسه فإن من يرى كل شيء بعين التآمر، يردّ كل المؤامرات إلى واحدة، وإلى صراع بين أصل للخير وأصل للشر، صراع معاد مكرّر في كل شيء.
وهذا يعني سياسياً أنّ اللاجئين إلى تفسير كل شيء بنظرية المؤامرة هم نفسهم الذين يلجأون إلى معالجة كلّ شيء بممارسة فعل التآمر.
المؤامرة اليوم هي مؤامرة أخذ البلد رهينة، وأخذ اليونيفيل رهينة، وأخذ طاولة الحوار رهينة، وأخذ المناصفة الإسلامية المسيحية رهينة، وأخذ الحسابات الديموغرافية رهينة، وكل ذلك على إفتراض أن الغرب الذي كفّ يده عن لبنان قد آن له أن يغضّ طرفه عنه.