من يعيش ايام لبنان اليوم يظن ان البلد نجح في تقمص حال مهرجان دائم.
يوماً بعد يوماً هناك في لبنان احداث فنية وأخرى ثقافية ومؤتمرات بحثية، ويشارك السياسيون الكبار في أكثر هذه المؤتمرات والاحتفالات، فلا عجب ان هم لم يستطيعوا التركيز على القضايا الرئيسية. بل ان توجهاتهم في مجال السياسة العامة تضيف الى بعد الضجيج بعداً آخر، الا وهو التمسك بظواهر الامور وتصوير اخطار محدقة تمهيداً لسيطرة أوسع أو لدور سياسي يعتمد على اشعار الناس بانهم يدينون لهذه الفئة أو تلك بالشكر وواجب المساندة.
ومن دون شك، ان القضايا الحياتية الرئيسية هي السير في تأمين الكهرباء بصورة متواصلة، وتنظيم اعمال توزيع المياه وتأمين نظافتها، والحد من التلوث وخصوصا عن سبيل معالجة ازدحام السير، وتحقيق معدلات نمو واعدة ومستمرة تسمح باستيعاب الشباب اللبناني في وظائف ونشاطات مجدية.
اذا نظرنا بعمق وشمولية الى التحديات نرى ان لبنان كبلد مقصر ومتأخر في ما عدا تحقيق معدلات نمو واعدة سمحت باستيعاب طاقات شبابية، وانطلاق أرباب عمل ورواد لبنانيين في تأسيس شركات متوسطة الحجم. ان تحقيق معدلات نمو بوتيرة مرتفعة طوال ثلاث سنوات 2007، 2008، 2009، بعث الامل في نفوس اللبنانيين في ان يتجاوز البلد، بطاقاته البشرية والمالية، حال التعجيز التي رسخها، ولا يزال، النفس السياسي والقيادات السياسية التقليدية.
الحقيقة المؤلمة ان دولاب العمل والانتاج يرتبط الى حد بعيد بالإجراءات القانونية التنظيمية التي يعود تفسيرها الى هيئات مختلفة بين المحافظات والمناطق. ومثلا على ذلك، ان رخصة بناء في مدينة بيروت قد تستوجب 12 الى 15 شهرا وتكاليف باهظة، وتحسين شبكة تصريف مياه يقوم به صاحب امتياز قائم يلزمه الحصول على اذونات عدة يستغرق الحصول عليها زمنا طويلا مما يثني صاحب هذا الامتياز عن تحقيق الاصلاح، وهكذا يزداد اهدار المياه التي توزّع في قنوات مهترئة بسبب عدم الصيانة والتحسين.
والاهم من عوائق الاذونات والمعاملات المعقدة ان الراغب في الاستثمار في لبنان، أكان لبنانياً مقيماً أم زائراً أم مواطن دولة عربية أو غير عربية، لن يقدم على خطوة كهذه ما لم يشعر بان لبنان هو دولة القانون، أي ان القوانين التي تهدف الى الحفاظ على العلاقات بين المواطنين والزوار، هي قوانين تطبق بشفافية ومن دون محاباة، وتلتزمها الهيئات العامة وبالأخص وزارات الدولة.
لقد دعا الرئيس سعد الحريري الى ندوة عن معوقات الاستثمار والنجاح في لبنان، وخصوصاً في ما يتعلق بنجاح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تؤمن مجالات العمل لاكبر عدد من اللبنانيين ولذوي الكفايات من جنسيات اخرى ممن يتكاملون مع زملائهم اللبنانيين في العمل. واكد الرئيس الحريري ان الحكومة ستعمل على تنسيق مستلزمات التراخيص وحصر اعداد الاذونات، الخ.
واستناداً الى ما تبدى من التصريحات المتعلقة بالمؤتمر، شملت التوصيات الاستهدافات المعلنة بصورة دولية، منها توافر المناطق الصناعية المجهزة بمستوجبات النجاح كالمياه المضغوطة، اضافة الى توافر اليد العاملة والتمويل الطويل الاجل في مقابل تكاليف معقولة.
وقد تناولت الابحاث الكثير من مستوجبات النجاح، لكن المؤتمرين لم يبحثوا في القضية الاساس في لبنان، الا وهي تحصيل حقوق صاحب العمل، أو صاحب الموقع، أو الممول من السلطات الحكومية. فهناك احكام من مجلس الشورى، الهيئة القضائية العليا في البلد، تقضي بدفع تعويضات لأصحاب أراض استملكت أو تعويضات لخسائر تعاقدية لا ترتبط بتأخير المتعهد لالتزاماته أو اضرار لحقت بمواطنين بسبب الحرب، ولا من يستجيب لهذه الاحكام. وما دام صاحب الحق لا يستطيع التوصل الى حقه عن سبيل الهيئة القضائية العليا في لبنان لان الوزارات التنفيذية لا تتقيد بالأحكام، سيبقى لبنان بلداً غير مستقطب للاستثمار على نطاق واسع لأن الحق القانوني غير مصون. وهذا الادراك بدأ يتعمم وخصوصا بعد فترة الاعتصام المشين في وسط البلد الذي تركز على الاملاك الخاصة دونما نظر الى حقوق ومشاريع اضطر اصحابها ان ينتظروا، ان كان في وسعهم تحمل تكاليف الانتظار، تأليف حكومة يتقبلها الفريق المتربص باملاك الغير وبآمال اصحاب مئات المؤسسات التي تضررت في حينه.
ان العائق الاكبر في وجه الاستثمار وتنويع النشاط هو غياب سيادة القانون، حتى ازاء مؤسسات الدولة أو الاحزاب أو التيارات. فما دامت القوانين استنسابية كما الاذونات، سيبقى لبنان ومستقبله الاقتصادي مرتهنين لقرارات السياسيين ومبادراتهم.
والسياسيون في لبنان غير معنيين بالقضايا الاقتصادية، فتركيزهم هو على تحصيل المنفعة للفئات التي يمثلون، وأحيانا لأنفسهم، وفي الحالين البلد ككل لا يحقق المنفعة المفترضة والمرجوة من السياسات العامة. واذا شئنا تحسين المناخ السياسي وجعل السياسيين يدركون مستوجبات النفع العام، علينا ان ننتظر عشرات السنين . وما من شاب يود انتظار انبلاج المساواة امام القانون وانفتاح الفرص الاستثمارية المجزية والمحمية بالنظام فترات تطول على هذا الشكل.
أكثر ما يشغل السياسيين الكبار هو قانون التنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقليمية اللبنانية. ومن أعجب ما نقرأ هو تقديرات عن عائدات الغاز، وكأن الحقول اكتشفت وطورت، وكأن اصحاب هذه التقديرات على المام تام بتكاليف التنقيب بحراً او براً - وللتذكير، ان عمليات التنقيب الاولى أواخر الاربعينات كانت على البر في سهل البقاع - وكأنهم يعرفون كميات الغاز المقدر اكتشافها واسعارها وسبل انتاجها وتسليمها.
حضرة السياسيين، قليل من احترام المعرفة، أمامكم اختبار انهيار منصة انتاج للنفط في البحر واضرارها، وليتكم تكرسون بعض الوقت لدراسة التشريعات المماثلة المقرة والمعمول بها في مصر وسوريا وليبيا وروسيا والجزائر وقطر، فتجدون نقاط التقارب في التشريعات والمستويات الضريبية... وبالتأكيد لن يكلف نوابنا أنفسهم هذا الجهد، ولماذا؟ ما دام مشروع القانون هو نسخة عن قانون نروج حيث قرروا في سني البداية حصر دور انتاج النفط بما لا يزيد عن خمسة في المئة من حجم الدخل القومي، لكن نروج لم تكن ترزح تحت دين كبير حينذاك.
ما دمنا منشغلين عن الشأن العام بالاحتفالات المتنوعة، وما دمنا منشغلين بمناقشات عقيمة عن قانون النفط المنجز منذ سنتين والمخبأ في ادراج الوزارات والوزراء، لن يكون هناك أمل كبير في تحسن جذري في مناخ الاستثمار ومعدلات النشاط خارج مجالات التسلية واللهو والفندقة والتطوير العقاري، وتالياً لن يحقق لبنان شروط النجاح الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين ما لم يحقق اللبنانيون تمثيلاً نيابياً حقيقيا وتقدمياً خلال السنوات العشرين المقبلة.
|