بدأ الموظف الاميركي المهم السابق والمستمر في تعاطي الشأن العام على نحو غير مباشر لقاءه معي باسئلة معظمها دقيق ومفصل عن حكومة لبنان ورئيسها سعد الحريري. فأجبته : ان الحريري رجل طيب وجيد يحاول اكتساب ما يستطيع من الخبرات في كل المجالات كي يتمكن من السباحة أو بالأحرى "العوم" في بحر السياسة اللبنانية التي هي طائفية ومذهبية وشخصانية واقليمية ودولية، هو الذي كان خارجها تماماً قبل استشهاد والده . لكنه لن يتمكن من تحقيق انجازات حكومية كبيرة لأسباب أنت تعرفها واللبنانيون والعالم ولذلك لا داعي الى الخوض فيها. أعتقد ان أمامه مرحلة تمتد حتى انتهاء السنة الجارية، فإما ان يثبت نفسه رئيس حكومة أو بالأحرى رجل دولة وزعيماً سياسياً، وإما ان يفشل. واذذاك فإن كل الخيارات أمامه والقرارات تصبح واردة. اعتقد ايضاً ان السوريين الذين تمسكوا بترؤسه الحكومة رغم تأخره في ذلك ورغم بعض مواقف له وابلاغ السعوديين اليهم انهم لا يمانعون في رئيس آخر للحكومة إذا رأوا (اي السوريين) ذلك مفيداً - اعتقد انهم اخذوا منه معظم ما يريدون. وهم مستمرون في أخذ ما تبقى. وتؤكد ذلك تركيبة الحكومة الحالية وأمور أخرى مثل تخليه عن "الاتهامات" المعروفة لسوريا وعن الدعوة الى تغيير النظام فيها. فلماذا يبقى رئيساً للحكومة بعد ذلك؟ أو لماذا تُبقيه؟ وذلك لا يعني حتمية التخلي عنه رئيساً للحكومة وخصوصاً اذا اظهر طواعية مطلقة او اذا حصلت تطورات اقليمية وربما دولية تفرض عليها التريث ليس في موضوع استعادة النفوذ التام في لبنان بل في طريقة هذه الاستعادة. "من يخلف سعد الحريري في رئاسة الحكومة في حال صح ما تقول؟" سأل الموظف الأميركي السابق المهم نفسه. أجبته . المرشحون كثر. لكن الجديين منهم الآن لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. وسوريا ستختار أو بالأحرى ستقبل منهم الاكثر استعدادا "للتعاون" الكامل والأضعف قدرة على التحول رفيق حريري آخر. طبعاً تناول الحديث الاسماء بالتفصيل الامر الذي لا ضرورة لنقله الى الرأي العام والقراء. علّق: "هذه سوريا التي تتحدث عنها. ماذا عن ايران التي لها وجود غير مباشر وتالياً دور مهم في لبنان؟ هل يُعقل ألاّ ألا تلتقي مصالح هاتين الدولتين فيه هما المرتبطتان بتحالف تسميانه استراتيجياً وتصران على هذه التسمية وكذلك في "قضايا أخرى؟"، أجبت أنت تعرف ان سوريا وايران متنافستان، كي لا نستعمل كلمة أقوى من ذلك، في العراق رغم تحالفهما الاستراتيجي. أما في لبنان فإن التقاءهما المصلحي لا يزال قائماً وقد يستمر طويلاً لأسباب عدة. لكن التنافس بينهما في لبنان وعليه ربما يحصل مستقبلاً. على كل حال ليس سهلاً على سوريا التخلي عن ايران. وليس سهلاً على ايران التخلي عن سوريا الآن وفي المستقبل المنظور. والأسباب كثيرة سورية وايرانية ولبنانية واقليمية ودولية. ان حصول ايران على دورها الكبير في المنطقة وربما في العالم ما كان ليبدأ لولا لبنان وعبر "حزب الله" الذي أسسته فيه ولولا تساهل سوريا الموجودة فيه معها أولاً، وتحالفها واياها لاحقاً وبعد سنوات من التقاتل بالواسطة، أي بواسطة فريقين شيعيين لبنانيين. علّق الموظف الاميركي المهم السابق نفسه: "يهم "حزب الله" ان يكون على تواصل جغرافي مع سوريا. على كل أقول لك بعد زيارة لاسرائيل قمت بها قبل مدة قصيرة التقيت فيها على مدى ساعات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي تربطني به صداقة مزمنة، أقول لك، إن نتنياهو هذا صار أكثر نضجاً. تحدثنا كثيراً. قلت له إن اي تسوية تُوقِّعها مع الفلسطينيين لن تأتي بالأمن لاسرائيل. وانت تهتم لأمرين. الأول، أمن دولة اسرائيل وشعبها. والثاني، وضعك السياسي. التسوية السلمية مع محمود عباس ("أبو مازن") رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لن تساوي قيمة الحبر الذي ستكتب به. ذلك انها ستقرّب "حماس" من الضفة الغربية ومن اسرائيل وتضاعف خطرها. فضلاً عن ان الدول العربية وربما غيرها ستجد نفسها مدفوعة الى تأييد هذه التسوية. هذا طبعاً اذا تم التوصل اليها. وأنا لا اعتقد ان ذلك سيحصل. فجورج ميتشل، السيناتور السابق المكلف من الرئيس اوباما احياء عملية السلام ولا سيما على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي، لن ينجح في مهمته في اعتقادي . الافضل لك (الكلام موجه الى نتنياهو) ان تتوصل الى تسوية سلمية مع سوريا الاسد، ان تعيد اليها "وديعة رابين" وان تعترف بهذه "الوديعة" وان تحميها، ثم عليك ان تبدأ مفاوضات مباشرة مع دمشق تمكن سوريا في النهاية من استعادة الجولان المحتل أو ما يمكنها ان تستعيده منه. اذا حصل ذلك قد تستطيع بالقوة التي توفرها لك ان تعمل جدياً للتوصل الى تسوية مع الفلسطينيين. وربما تساعد التسوية مع سوريا في ضمان تنفيذ التسوية مع الفلسطينيين". واضاف الموظف الاميركي المهم السابق: "انظر الى المنطقة الآن. هناك اسلام اصولي متفشٍ في العالم الاسلامي العربي وغير العربي. لكن ليست هناك قيادة عربية كبيرة. مصر ضعيفة. والسعودية ضعيفة. سوريا لاعب صغير. وهناك ا يران الاسلام الاصولي الشيعي. وهناك تركيا الاسلامية التي "سكّرت" أوروبا عليها والتي لم تعد اميركا كثيرة الاهتمام بها كما في السابق والتي تريد دوراً في المنطقة. وهي تحتقر العرب. راجع ما قاله رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان بعد حادث "اسطول الحرية" (فلوتيلا) في خطاب له امام مجلس النواب التركي. لقد هدد باللجوء الى خيارات اخرى. وقال: "نحن نرد. نحن لسنا قبائل". بالله عليك من هم القبائل؟ أليسوا العرب الذين حكمتهم تركيا عقوداً خمسة في القرن الماضي؟ هناك صراع وربما تنافس بين تركيا وايران. الاثنتان تتبادلان الكره عملياً. وكل منهما تكره العرب لأسباب متنوعة ".
بماذا أجبتُ رداً على ذلك؟
|