الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
 
   

ادمون صعب

15/7/2010
 

الأرض ... لو نطقت

 

اعترف أمام الله وأمامك، انني لم اقتل يوماً، ولم أسرق يوماً، ولم أكذب يوماً على هذا الشعب الطيّب، وأنام كل ليلة، هذا ان نمت من جراء تفكيري بلبنان، مرتاح الضمير ».
ريمون اده
(امام المطران بولس مطر في نيسان 2000 بباريس )

في الذكرى الخامسة لحرب تموز المجيدة، التي رافقتها اشكالات وصدامات مع وحدات تابعة للقوى الدولية في الجنوب تجاوزت القرار 1701 وحاولت انتهاك السيادة على أرض ارتوت بدماء الشهداء، وفي أجواء سادها انقسام داخلي حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان .
في هذه الذكرى توقف كثير من اللبنانيين عند عقدة التملك الفلسطيني التي جعلت فريقاً طائفياً يقف في وجه مشاريع القوانين الأربعة المقدمة الى مجلس النواب بصفة المعجل والمتعلقة بتلك الحقوق، ورفضه البحث في هذا الموضوع، على اساس انه توطين مقنّع للفلسطينيين في لبنان، وهذا مخالف للدستور الذي نص على رفض التوطين، فضلاً عن انه يخل بالتوازن الديموغرافي إذ يضيف إلى سكان لبنان نصف مليون لاجئ يشكلون 12 في المئة .
إلا ان وجه الغرابة في رفض حق التملك للفلسطيني اللاجئ الى لبنان منذ أكثر من 62 سنة، أنه أحدث انقساماً طائفياً خطيراً ذكّرنا بـ«الحلف الثلاثي» الذي كاد ان يتكرر بين افرقاء مسيحيين ثلاثة كان اثنان منهم متباعدين بُعد الأرض عن السماء، عن فريق ثالث اعتبر «منحرفاً » عن «الثوابت المسيحية ».
وثمة سؤال يطرح في هذا الشأن: متى كانت أرض لبنان، المرشح قسم منها للتملك من الفلسطيني، مسيحية، سواء أكانت شقة ام أرضاً صالحة لبناء منزل يعوّض للفلسطيني حياة البؤس والشقاء التي تسبب له فيها العدو الإسرائيلي الذي احتل أرضه، واستولى على منزله، قبل ان يطرده في اتجاه الحدود اللبنانية التي دخلها عام 1948، وألقي في مخيمات بعضها لا يصلح للماشية. فعض على جرحه وصبر، آملا في العودة في وقت قريب. وطال هذا الوقت 62 سنة !
وفي سؤال مواز: في الذكرى الخامسة لحرب تموز التي دارت فوق أرض لبنانية حررتها المقاومة في العام 2000 بأرواح شهدائها الذين رووها بدمائهم الزكية، وحاول العدو الإسرائيلي في 12 تموز 2006 إعادة احتلالها، فكرر المجاهدون المواجهة، ولم يبخلوا دفاعاً عن الأرض المقدسة بالأرواح والدماء. هل يصح القول ان هذه أرض شيعية، وقد دافع عنها الشيعة، لذلك يجب ان يتمسكوا بها ولا يدعوا أحداً سواهم يتملكها او يقيم فوقها؟
قد لا يلام بعض المسيحيين الذين لا تزال محفورة في ذاكرتهم الأيام السود التي شهدها الربع الأخير من القرن الماضي، وما تعرضت له مناطقهم على أيدي الفلسطينيين وكفاحهم المسلح الذي انفك خارج المخيمات وزرع الفوضى في مناطق واسعة في العاصمة وخارجها. وكان الرد عليها قيام ميليشيات مسيحية مسلحة دفاعاً عن هذه المناطق، وذلك خلافاً لما كان يدعو إليه بعض العقلاء المسيحيين والمسلمين امثال العميد ريمون اده، والرئيس صائب سلام، والزعيم كمال جنبلاط .
كذلك قد لا يُلام هذا الفريق من المسيحيين المثقلة ذاكرته بصور الكوارث والفواجع، إذا أخذ على الشريك المسلم عدم تعاطفه معه خلال تلك الأحداث ووقوفه بجانب الطرف الفلسطيني وحمايته والدفاع عنه بالسلاح، كما بالسياسة، الأمر الذي جعل الفريق المسيحي وحيداً في الدفاع عن أرضه والذود عنها بدمائه. لذلك هو اليوم يرفض ان يتنازل عن هذه الأرض لأي كان. واستطراداً هو يقف ضد التنازل عن أي شبر من أرض لبنان، لا لفلسطيني فحسب، بل لأي اجنبي .
وقادت فكرة «الأرض المحررة » مسيحياً من الفلسطينيين والمسلمين، بعض القادة المسيحيين الى اعتبار هذه الأرض ملكاً لمن حررها. وراودته فكرة اعلان «دولة حرة» فوقها. لكن هذه الفكرة اصطدمت بمعارضة بكركي وغالبية كبيرة من المسيحيين حرصا على العيش المشترك، وعلى المحافظة على الكيان وحمايتهمن المغامرين الذين انحرفوا، بإغراء السلاح والقوة والنفوذ وحب السيطرة، من الدفاع عن أهلهم ومناطقهم في مواجهة الانفلاش والفوضى الفلسطينيين، الى إقامة نوع من الحكم الذاتي، والتنكيل بالمسيحيين الذين كانوا يختلفون معهم في الرأي .
وكان الشيخ بشير الجميل كلف مجموعة من المعاونين، بعد مجزرة المسلخ والكرنتينا، و«تنظيف» المناطق الشرقية من الفلسطينيين والمسيحيين والمسلمين المخالفين له في الرأي، القيام باستطلاع آراء الانتجلنسيا المسيحية لإمكان إعلان «المناطق المحررة» دولة للمسيحيين و«للآخرين الذين يريدون العيش معهم فيها» كما قال في احد خطبه .
فكان هناك شبه اجماع على رفض قيام «إسرائيل ثانية» في قلب العالم العربي. وقال احد المستطلعين لمعاون بشير: «حرام ان يكون الشهداء الذين سقطوا من أجل لبنان الـ10452 كيلومتراً مربعاً يجدون ان تضحياتهم قد ذهبت سدى، وان لبنان تقزّم في كانتون صغير ممتد بين نهر الكلب والمدفون». اضاف: «قل للشيخ بشير ان الشهداء رووا كل لبنان بدمائهم، وان اعلان دولة مسخ هو خيانة لتضحيات الشهداء ». فطوي المشروع .
ان التمسك بالأرض مرادف لنهائية الوطن. وسئل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين ذات يوم ان يشرح مفهومه للوطن النهائي الذي كان ينادي به، فقال: «ان لبنان وطن نهائي. لي قبور في لبنان ترقى الى ألف سنة. قبور أهلي في جزين. فنحن جزينيون، ومسجدنا وبيت محمد بن مكي شمس الدين موجودان هناك. ألف سنة متواصلة. نحن ليس لنا قبور خارج لبنان. قبورنا هنا. وغيرنا مثلنا. والوطن النهائي ليس مقولة مسيحية مارونية، بل هو مقولة واقعية». من هنا ضرورة عدم التنازل عن الأرض .
نقول إذاً كان اللبنانيون يرفضون تمليك الفلسطينيين شققاً او ما سواها، فماذا نفعل بهم بعدما اهملناهم وتركناهم يغرقون في بؤسهم ويحولون المخيمات «غيتوات» وملاجئ للخارجين على القانون؟ هل نلقيهم في البحر؟
يجب التوجه الى المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة والطلب إليها ان تعامل الفلسطينيين كما عاملت الأشوريين الذين لجأوا الى لبنان في الحرب العالمية الثانية من العراق (بعضهم حارب إيران مع صدام في الثمانينيات)، فبنت لهم في منطقة كسارة في زحلة مستوطنة، او «ضيعة»، بقيت ملكاً للمفوضية ولم يعتبر ذلك توطينا لهم، ربما لأنهم مسيحيون! إلا إذا كانت الدولة مستعدة لاحياء مشروع القرية الذي طرحه الرئيس رفيق الحريري في التسعينيات لنقل الفلسطينيين من صور وصيدا، الى مبان لائقة بهم خارجهما تكون ملكاً للدولة، وقد أيده في ذلك آنذاك النائب وليد جنبلاط في ما عرف بـ«السكن العمودي» بل الأفقي. إلا ان الظروف السياسية الإقليمية حالت دون ذلك .
لو نطقت الأرض لفضلت «الحل الأشوري» لأنه عقلاني .

م؟