أعاد مشروع الاتفاقية الأمنية مع فرنسا نكء الجراح التي كانت قدفتحتها الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، وتُرك أمر مداواتها في نهاية المطافالى رئيسي الجمهورية والحكومة. من جديد، يتكشف الانقسام الحاد بين اللبنانيينحول نظرتهم الى مسائل حيوية، لتطال مفاعيله هذه المرة تعريف الإرهاب، امتداداللانقسام المزمن حول تعريف السيادة والعدو والصديق والمقاومة، وغيرها من المفاهيمالجوهرية. إنه الصراع المتمادي بين ثقافتين متناقضتين، تملك كل منهما رؤيتهاالمستقلة للثوابت التي لا تحتمل ترف التعدد في الآراء. هنا يتجاوز الامر حدودالخلاف السياسي التقليدي والصحي الذي يمكن ان تشهده المجتمعات الديموقراطية، ليصبحداءً مستشرياً ينخر في «عظام» الدولة التي باتت مصابة بتكلس حاد. وإذا كانتالاتفاقية الشهيرة مع واشنطن قد وُضعت في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولىبعد استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، وتم تعديلها لاحقاًبموافقة وزراء المعارضة (...)، إلا أن المفارقة اللافتة للانتباه في مشروعالاتفاقية الفرنسية انه نجح أولا في عبور حكومة الوحدة الوطنية، من دون ان يتمكنوزراء المعارضة من ضمان مناعته ضد أي التباس في تفسير المعاني والمصطلحات، قبل انتتنبه المعارضة الى حساسية الموضوع وتسارع الى استدراكه من خلال «كمين نيابي» نصبله في اللجان المشتركة وحال دون إقراره وجعله نافذاً. وما استوقف المراقبين هوان مجرد إحالة الحكومة الحالية برئاسة الرئيس سعد الحريري مشروع الاتفاقية مع فرنساالى مجلس النواب لدرسه إنما يصيب حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بـ«نيرانصديقة»، لأن هذه الإحالة تنطوي على إقرار ضمني بتجاوز حكومة السنيورة عام 2007للأصول الدستورية حين أبرمت، في ظل غياب وزراء المعارضة المستقيلين، الاتفاقيةالأمنية مع الولايات المتحدة، متجاهلة دور المجلس النيابي وقافزة فوقه كما فوقالمادة 52 من الدستور التي تحصر هذا الحق برئيس الحمهورية، علماً أن مضمون هذهالاتفاقية أخطر بكثير مما ورد في الاتفاقية الفرنسية. وأبعد من ذلك، فإن تتبعالمسار العام لعدد من الاتفاقيات المتصلة بسيادة لبنان وأمنه القومي، أظهرت سابقاًوراهناً، ان هناك ميلاً نحو التهاون في حقوق وطنية او في ثوابت ميثاقية، ما يدفعالى التساؤل عن الطريقة التي يتم فيها التفاوض مع الدول الاخرى، وما هي المعاييرالتي تنظم مثل هذا التفاوض وتحدد سقوفه، ومن هم الخبراء الذين ينصحون بالتوقيع علىنصوص أقل ما يقال فيها إنها ملتبسة، كما هي الحال بالنسبة الى الاتفاقية الأمنية معفرنسا، التي تنص إحدى فقراتها على ان «يقدم كل طرف الى الطرف الآخر المساندة فيمجال مكافحة الإرهاب»، من دون تحديد مفهوم مشترك للإرهاب. ولعل أخطر ما في هذهالفقرة المفتوحة على كل الاحتمالات والتعريفات انها تفسح المجال امام باريس، وبقوةالشرعية الدستورية والقانونية اللبنانية الملزمة، ان تطلب متى تشاء مساعدة الحكومةاللبنانية لملاحقة عناصر في حركتي حماس والجهاد الاسلامي، على سبيل المثال،باعتبارهما مصنفتين فرنسياً كمنظمتين إرهابيتين. والخطورة هنا تكمن في أن هذاالمبدأ- وعدا عن انه يشكل خطراً على حركات المقاومة - إنما يؤسس بحد ذاته، حتى لولم يتم تطبيقه غداً او بعد غد، لخلاف لبناني - فلسطيني مجاني وعبثي، الجميع بغنىعنه، سواء في الساحة اللبنانية او الفلسطينية، خصوصاً أن ملف الحقوق الانسانيةوالمدنية أثار ما يكفي من التوتر في العلاقات بين الساحتين، والمطلوب التخفيف منهوليس رفده بعوامل متفجرة جديدة. ويضاف الى ذلك، أن رفض اعتماد تعابير ضبابيةحول مكافحة الإرهاب لا يحمي المقاومة الفلسطينية فقط، بل يشكل ايضاً خط دفاعمتقدماً عن المقاومة في لبنان، باعتبار ان ما يصيب الاولى يمكن ان يصيب الثانيةوالعكس صحيح، نظراً الى «وحدة المصير» التي تجمع المقاومتين المستهدفتين من عدوواحد. تأسيساً على هذه المقاربة، تبدو المعارضة مصرة على نزع الألغام المزروعةفي متن الاتفاقية الأمنية مع فرنسا وتحريرها من أي بنود ملتبسة، وذلك استناداً الىطبيعة فهمها للمصالح اللبنانية العليا، وهو ما يعبر عنه الرئيس نبيه بري بالقول: نحن نريد أن تتضمن الاتفاقية إشارة واضحة الى مكافحة الإرهاب وفق التعريف اللبناني،وأنا شخصياً لا يكفيني التعريف الوارد في الاتفاقية العربية، لأن العرب يتغيرون... ولئن كانت المادة الأولى من الاتفاقية المتصلة بمكافحة الإرهاب قد خطفتالأضواء، إلا أن ذلك لا يقلل من خطورة مواد أخرى، كالمادة الرابعة التي تلحظ تبادلالمعلومات والوثائق بين الجانبين اللبناني والفرنسي من دون أي ضوابط تنظم هذاالتبادل او ترسم حدوداً له. وإزاء هذا الانفلاش في وظائف الاتفاقية، هناك من يتساءلعن كيفية ضمان توازنها عند التنفيذ، وبالتالي عن مدى استطاعة لبنان ان يفرض علىفرنسا مبدأ «التعامل بالمثل» في ظل عدم التكافؤ بين الدولتين على مختلف الصعد. وبما يتجاوز النقاش الحرفي للاتفاقية، يبدو واضحاً أن الخلاف عليها يستبطنرسائل سياسية متبادلة. فريق 14 آذار يريد أن يوحي أنه ما يزال قادراً على الفعل وأنالتسوية الاضطرارية لم تعطل كل محركاته، والمعارضة تريد ان تُفهم الفرنسيين بعدالأميركيين أن أيام استباحة البلد عبر الأصدقاء والحلفاء قد ولت، وأنه لم يعدمسموحاً اتخاذ قرارات أو إبرام اتفاقيات تتجاهل ثوابت شريحة واسعة من اللبنانيين.