الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
 
   

عماد مرمل

16/7/2010
 

إحالة «الاتفاقية الفرنسية» للمجلس تصيب «الحكومة البتراء» بنيران صديقة !
رسـالة الرافضيـن لباريـس: أيام «العـزف المنفـرد» ولّـت

 

أعاد مشروع الاتفاقية الأمنية مع فرنسا نكء الجراح التي كانت قد فتحتها الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، وتُرك أمر مداواتها في نهاية المطاف الى رئيسي الجمهورية والحكومة .
من جديد، يتكشف الانقسام الحاد بين اللبنانيين حول نظرتهم الى مسائل حيوية، لتطال مفاعيله هذه المرة تعريف الإرهاب، امتدادا للانقسام المزمن حول تعريف السيادة والعدو والصديق والمقاومة، وغيرها من المفاهيم الجوهرية .
إنه الصراع المتمادي بين ثقافتين متناقضتين، تملك كل منهما رؤيتها المستقلة للثوابت التي لا تحتمل ترف التعدد في الآراء. هنا يتجاوز الامر حدود الخلاف السياسي التقليدي والصحي الذي يمكن ان تشهده المجتمعات الديموقراطية، ليصبح داءً مستشرياً ينخر في «عظام» الدولة التي باتت مصابة بتكلس حاد .
وإذا كانت الاتفاقية الشهيرة مع واشنطن قد وُضعت في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى بعد استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، وتم تعديلها لاحقاً بموافقة وزراء المعارضة (...)، إلا أن المفارقة اللافتة للانتباه في مشروع الاتفاقية الفرنسية انه نجح أولا في عبور حكومة الوحدة الوطنية، من دون ان يتمكن وزراء المعارضة من ضمان مناعته ضد أي التباس في تفسير المعاني والمصطلحات، قبل ان تتنبه المعارضة الى حساسية الموضوع وتسارع الى استدراكه من خلال «كمين نيابي» نصب له في اللجان المشتركة وحال دون إقراره وجعله نافذاً .
وما استوقف المراقبين هو ان مجرد إحالة الحكومة الحالية برئاسة الرئيس سعد الحريري مشروع الاتفاقية مع فرنسا الى مجلس النواب لدرسه إنما يصيب حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بـ«نيران صديقة»، لأن هذه الإحالة تنطوي على إقرار ضمني بتجاوز حكومة السنيورة عام 2007 للأصول الدستورية حين أبرمت، في ظل غياب وزراء المعارضة المستقيلين، الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، متجاهلة دور المجلس النيابي وقافزة فوقه كما فوق المادة 52 من الدستور التي تحصر هذا الحق برئيس الحمهورية، علماً أن مضمون هذه الاتفاقية أخطر بكثير مما ورد في الاتفاقية الفرنسية .
وأبعد من ذلك، فإن تتبع المسار العام لعدد من الاتفاقيات المتصلة بسيادة لبنان وأمنه القومي، أظهرت سابقاً وراهناً، ان هناك ميلاً نحو التهاون في حقوق وطنية او في ثوابت ميثاقية، ما يدفع الى التساؤل عن الطريقة التي يتم فيها التفاوض مع الدول الاخرى، وما هي المعايير التي تنظم مثل هذا التفاوض وتحدد سقوفه، ومن هم الخبراء الذين ينصحون بالتوقيع على نصوص أقل ما يقال فيها إنها ملتبسة، كما هي الحال بالنسبة الى الاتفاقية الأمنية مع فرنسا، التي تنص إحدى فقراتها على ان «يقدم كل طرف الى الطرف الآخر المساندة في مجال مكافحة الإرهاب»، من دون تحديد مفهوم مشترك للإرهاب .
ولعل أخطر ما في هذه الفقرة المفتوحة على كل الاحتمالات والتعريفات انها تفسح المجال امام باريس، وبقوة الشرعية الدستورية والقانونية اللبنانية الملزمة، ان تطلب متى تشاء مساعدة الحكومة اللبنانية لملاحقة عناصر في حركتي حماس والجهاد الاسلامي، على سبيل المثال، باعتبارهما مصنفتين فرنسياً كمنظمتين إرهابيتين .
والخطورة هنا تكمن في أن هذا المبدأ- وعدا عن انه يشكل خطراً على حركات المقاومة - إنما يؤسس بحد ذاته، حتى لو لم يتم تطبيقه غداً او بعد غد، لخلاف لبناني - فلسطيني مجاني وعبثي، الجميع بغنى عنه، سواء في الساحة اللبنانية او الفلسطينية، خصوصاً أن ملف الحقوق الانسانية والمدنية أثار ما يكفي من التوتر في العلاقات بين الساحتين، والمطلوب التخفيف منه وليس رفده بعوامل متفجرة جديدة .
ويضاف الى ذلك، أن رفض اعتماد تعابير ضبابية حول مكافحة الإرهاب لا يحمي المقاومة الفلسطينية فقط، بل يشكل ايضاً خط دفاع متقدماً عن المقاومة في لبنان، باعتبار ان ما يصيب الاولى يمكن ان يصيب الثانية والعكس صحيح، نظراً الى «وحدة المصير» التي تجمع المقاومتين المستهدفتين من عدو واحد .
تأسيساً على هذه المقاربة، تبدو المعارضة مصرة على نزع الألغام المزروعة في متن الاتفاقية الأمنية مع فرنسا وتحريرها من أي بنود ملتبسة، وذلك استناداً الى طبيعة فهمها للمصالح اللبنانية العليا، وهو ما يعبر عنه الرئيس نبيه بري بالقول : نحن نريد أن تتضمن الاتفاقية إشارة واضحة الى مكافحة الإرهاب وفق التعريف اللبناني، وأنا شخصياً لا يكفيني التعريف الوارد في الاتفاقية العربية، لأن العرب يتغيرون ...
ولئن كانت المادة الأولى من الاتفاقية المتصلة بمكافحة الإرهاب قد خطفت الأضواء، إلا أن ذلك لا يقلل من خطورة مواد أخرى، كالمادة الرابعة التي تلحظ تبادل المعلومات والوثائق بين الجانبين اللبناني والفرنسي من دون أي ضوابط تنظم هذا التبادل او ترسم حدوداً له. وإزاء هذا الانفلاش في وظائف الاتفاقية، هناك من يتساءل عن كيفية ضمان توازنها عند التنفيذ، وبالتالي عن مدى استطاعة لبنان ان يفرض على فرنسا مبدأ «التعامل بالمثل» في ظل عدم التكافؤ بين الدولتين على مختلف الصعد .
وبما يتجاوز النقاش الحرفي للاتفاقية، يبدو واضحاً أن الخلاف عليها يستبطن رسائل سياسية متبادلة. فريق 14 آذار يريد أن يوحي أنه ما يزال قادراً على الفعل وأن التسوية الاضطرارية لم تعطل كل محركاته، والمعارضة تريد ان تُفهم الفرنسيين بعد الأميركيين أن أيام استباحة البلد عبر الأصدقاء والحلفاء قد ولت، وأنه لم يعد مسموحاً اتخاذ قرارات أو إبرام اتفاقيات تتجاهل ثوابت شريحة واسعة من اللبنانيين .

م؟