عن «جيش العملاء» و«البيئة الحاضنة » و«مجموعة الأوطان » كيف انعكس توقيف كرم على نظرة البيئة المسيحية إلى نفسها؟
لبنان يشكل مجموعة أوطان صغيرة منذ أن نشأ عام 1920 وحتى الآن،ونحن على خلاف حول دور لبنان ومصيره ومستقبله لذلك كان هناك خضّات كبيرة أحياناًعسكرية وأحياناً سياسية». هذا الكلام للنائب وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي الأخيرهو «الثابتة» شبه الوحيدة التي لا خلاف حولها. ويجوز الإضافة عليها في توصيف الخضاتالتي نعيشها خضة العمالة وارتفاع المنخرطين في جيش العملاء والجواسيس و«نوعيتهم». يَفترض الإقرار بأننا «مجموعة أوطان»، أن يكون مدخلا للبحث في كيفية استعادةفكرة الوطن الواحد الذي يجمع أبناؤه على توصيف العدو والصديق والشقيق والحليف وصولاالى المصالح التي تجمع هذا الوطن بدول وشعوب أخرى. لكننا منذ 1920 ونحن نقيم في «بيت واحد بمنازل كثيرة» على حد تعبير المؤرخ كمال الصليبي. وتحت شعارات متنوعةوحسابات ظرفية معقدة ومصالح طوائف وأحزاب نقيّم الصداقات والعداوات ونحددها تبعاللحظة السياسية. حتى مسألة العداء لإسرائيل مصدر الخطر الاساسي على البلد وسيادتهواستقلاله، وعلى استقراره وسلامه، لم تكن مرة جامعة ومصدر هم مشترك للبنانيين. لم يخطئ الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في حديثه الأخير عن «البيئة الحاضنة للعمالة». فارتفاع أعداد العملاء الذين ينكشفون يوما بعد آخر، يؤكدأنه في مكان ما هناك مثل هذا الاحتضان الضمني. لكن هل هي بيئة محددة أم طائفة محددةأم حتى حزب محدد يمكن أن يشكل هذه الحاضنة؟ الاستناد إلى التاريخ القريب يسهلالإجابة بالنفي. فـ«البيئة الحاضنة» متعددة الوجوه ومتداخلة الحسابات ومعقدةالمنطلقات والمصالح. في الذاكرة صور مخجلة. الأرزّ الذي انهال على الجيشالإسرائيلي في أكثر من منطقة جنوبية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. الاستقبال «الودي» الذي حظي به الإسرائيليون في بعض الجبل في العام 1982. العلاقات «التنسيقية» التي حصلت في فترة من فترات الحروب اللبنانية بين مسؤولينعسكريين لبنانيين ومسؤولين عسكريين إسرائيليين (لا نتحدث هنا عن فريق 17 أيار). علاقات «الجبهة اللبنانية» العلنية والتدريبات المشتركة في إسرائيل ولبنان. كلهاصور لا تترك انطباعا عن حصانة عميقة لدى المجتمع اللبناني ومجموعاته في التعامل معالعدو. وبالتالي تسترعي تفصيلا دقيقا لمعنى «البيئة الحاضنة» ومفهومها. هنا لايجوز الاختزال والانطلاق من اللحظة، خصوصا أنه تبين ان معظم العملاء تم تجنيدهم منذسنوات طويلة. فعلى امتداد سنوات الحروب كان «العدو» له وجوه وهويات مختلفة. وكانتاسرائيل واحدا من أعداء كثر. لا تفيد المكابرة في هذا المجال ولا سياسة النعامة. يطرح أحد أساتذة علم الاجتماع مجموعة أسئلة في محاولة فهم حجم العملاء الذينتقذف عمالتهم في وجه اللبنانيين كصفعات تفقدهم توازنهم الوطني. يسأل «أي قيم حكمتالمجتمع اللبناني على امتداد سنوات وعقود؟ ألم يفقد اللبنانيون بوصلة الوطنيةومفاهيمها وقامت كل مجموعة منهم بتفصيلها على مقاسها وطموحاتها ورؤيتها السياسية؟ألم يكن اللبنانيون في مرحلة من مراحل حروبهم العبثية أعداء بعضهم بعضا؟ كيف انتهواالى المصالحة؟ هل حوكم أحد؟ أي عقاب ناله القاتل أو الخاطف أو حتى السارق؟ وبالتاليأليس غياب العقاب الرادع سببا من أسباب استسهال العمالة؟ والعملاء أنفسهم الذينألقي القبض عليهم أو حوكموا بعد التحرير كيف تم التعاطي معهم؟ ألم تحتضنهم بيئاتهمالمختلفة؟ ألم يعودوا الى علاقاتهم وصداقاتهم وتجاراتهم وأعمالهم؟ هل سمعنا عن أحدهاجر لان بيئته المحلية لفظته بعد انكشاف عمالته وحتى محاكمته؟ وأبعد من ذلك ألمنجد لهم عشرات التبريرات والاسباب التخفيفية؟». يسارع الى التوضيح «أنا ضد الإعدامبالمطلق وأيّا تكن الاسباب. لكن ألم يعد من عقاب قاس يمكن اللجوء اليه بديلا لخيارالاعدام أو السجن المخفف لأشهر قليلة؟ كيف يعوض العميل لمجتمعه عن الاساءة التيألحقها به؟ ألا يفترض مثلا وضع تشريعات جديدة تجبره على مثل هذه التعويضات إضافةالى السجن والاشغال الشاقة وغيرها؟». يضيف في تحليل الصدمة بعد الاشتباهبالمسؤول في «التيار الوطني الحر» العميد فايز كرم بأنها تتعدى الشخص ومركزهالسياسي ومكانته الى «المضمر في نظرة المجموعات اللبنانية بعضها الى بعض والىنفسها. فالمتهم من بيئة مسيحية لم تشتهر بغالبيتها بعداوة راسخة بوجدانها معاسرائيل، لا يغير في شيء ان يكون من بينها أبرز من نظّر في هذا المجال وأول من أشارالى خطورة الدولة العبرية. لكن هذه البيئة، لأسباب كثيرة، لم تكن عداوة إسرائيلراسخة في وجدانياتها أو قناعاتها المعلنة أو المضمرة ولا حتى على تماس مع يومياتها. كان للبيئة المسيحية أعداء كثر في لحظات سياسية مختلفة ومنهم من تقاطعت عداوتهامعهم مع عداوتهم مع اسرائيل كالفلسطينيين والسوريين. لذا جاء هذا التوقيف والاتهامليهز صورة هذه الجماعة الى نفسها ويشعرها ببعض «الخجل» تجاه الجماعات الأخرى». بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، أعاد المسيحيون، تأكيد انهم ضدكل وصاية واحتلال. صوبوا خطابهم السياسي. السيادة على كل شبر أرض والاستقلال عنالجميع. عادت سوريا الشقيق المختلف معه عند فئة والمتفق معه عند اخرى، لكنها لم تعد «العدو». وسجلت خطوات إيجابية في العلاقة مع الفلسطينيين وان لم تنته رواسب كلالخلافات السابقة. أما اسرائيل فتكرست عداوتها عند الجميع، أقله في المعلنوالمتداول. وراحت جميع الاحزاب في دوراتها وتنشئتها الحزبية تشير بالمباشر الىإسرائيل وخطرها على لبنان وعلى المسيحيين تحديدا. وفي أسوأ الاحوال تذكّر بأناسرائيل غدرت بالمسيحيين. لذا زعزع توقيف كرم كل البيئة المسيحية حتى خصوم «التيارالوطني الحر». فلم نشهد انتقادا أو نوعا من التعيير بل على العكس، حصر الجميعالموضوع في إطاره الضيق. انتقدوا «التيار» فقط لمحاولته إظهار نفسه دوما كأنه امرأةقيصر فيما كل الآخرين لقطاء. واعتبروا أن العمالة «لا توصم إلا صاحبها وليس حزبه أوطائفته». ومع ذلك يرى أستاذ علم الاجتماع نفسه «ان البيئة المسيحية تحتاج الىكثير من العمل لترسيخ فكرة العداوة لإسرائيل في وجدانها. وهذا لا يحمل أية إدانة أواتهام. بل ربما العكس. فالمسيحيون الخائفون دوما على الـ10452 كلم هي حدود آخر شجرةفي العديسة لا يتهاونون في موضوع السيادة الوطنية. لكن تشعب مشاكلنا من الثقافي الىالسياسي والامني والاقتصادي لم يتح للبنانيين أن يضعوا على طاولة حوار جدية هواجسهمومخاوفهم من أجل تنقية ذاكرتهم والانطلاق الى ميثاق وطني جديد ينخرطون فيه عن قناعةومصلحة معا. فالوحدة الوطنية والتوافقات الداخلية على الاساسيات هي حصن تلقائي فيوجه الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة عبر الحروب أو الجواسيس. لكن المؤسف أن مثلهذا الكلام تحول الى ما يشبه اللغة الخشبية لان الجميع يقوله ولا يمارسه. وبالتاليعلينا الانتقال الى إيجاد آليات لتطبيق ما نعلنه ونتبناه وهذا يبدأ من المدرسة ولاينتهي على طاولة مجلس الوزراء وتشريعات مجلس النواب».