الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
 
   
دنيز عطا الله حداد
2010/8/7
 

عن «جيش العملاء» و«البيئة الحاضنة » و«مجموعة الأوطان » كيف انعكس توقيف كرم على نظرة البيئة المسيحية إلى نفسها؟

 

 لبنان يشكل مجموعة أوطان صغيرة منذ أن نشأ عام 1920 وحتى الآن، ونحن على خلاف حول دور لبنان ومصيره ومستقبله لذلك كان هناك خضّات كبيرة أحياناً عسكرية وأحياناً سياسية». هذا الكلام للنائب وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي الأخير هو «الثابتة» شبه الوحيدة التي لا خلاف حولها. ويجوز الإضافة عليها في توصيف الخضات التي نعيشها خضة العمالة وارتفاع المنخرطين في جيش العملاء والجواسيس و«نوعيتهم ».
يَفترض الإقرار بأننا «مجموعة أوطان»، أن يكون مدخلا للبحث في كيفية استعادة فكرة الوطن الواحد الذي يجمع أبناؤه على توصيف العدو والصديق والشقيق والحليف وصولا الى المصالح التي تجمع هذا الوطن بدول وشعوب أخرى .
لكننا منذ 1920 ونحن نقيم في «بيت واحد بمنازل كثيرة» على حد تعبير المؤرخ كمال الصليبي. وتحت شعارات متنوعة وحسابات ظرفية معقدة ومصالح طوائف وأحزاب نقيّم الصداقات والعداوات ونحددها تبعا للحظة السياسية. حتى مسألة العداء لإسرائيل مصدر الخطر الاساسي على البلد وسيادته واستقلاله، وعلى استقراره وسلامه، لم تكن مرة جامعة ومصدر هم مشترك للبنانيين .
لم يخطئ الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في حديثه الأخير عن «البيئة الحاضنة للعمالة». فارتفاع أعداد العملاء الذين ينكشفون يوما بعد آخر، يؤكد أنه في مكان ما هناك مثل هذا الاحتضان الضمني. لكن هل هي بيئة محددة أم طائفة محددة أم حتى حزب محدد يمكن أن يشكل هذه الحاضنة؟
الاستناد إلى التاريخ القريب يسهل الإجابة بالنفي. فـ«البيئة الحاضنة» متعددة الوجوه ومتداخلة الحسابات ومعقدة المنطلقات والمصالح .
في الذاكرة صور مخجلة. الأرزّ الذي انهال على الجيش الإسرائيلي في أكثر من منطقة جنوبية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. الاستقبال «الودي» الذي حظي به الإسرائيليون في بعض الجبل في العام 1982 . العلاقات «التنسيقية» التي حصلت في فترة من فترات الحروب اللبنانية بين مسؤولين عسكريين لبنانيين ومسؤولين عسكريين إسرائيليين (لا نتحدث هنا عن فريق 17 أيار ). علاقات «الجبهة اللبنانية» العلنية والتدريبات المشتركة في إسرائيل ولبنان. كلها صور لا تترك انطباعا عن حصانة عميقة لدى المجتمع اللبناني ومجموعاته في التعامل مع العدو. وبالتالي تسترعي تفصيلا دقيقا لمعنى «البيئة الحاضنة» ومفهومها .
هنا لا يجوز الاختزال والانطلاق من اللحظة، خصوصا أنه تبين ان معظم العملاء تم تجنيدهم منذ سنوات طويلة. فعلى امتداد سنوات الحروب كان «العدو» له وجوه وهويات مختلفة. وكانت اسرائيل واحدا من أعداء كثر. لا تفيد المكابرة في هذا المجال ولا سياسة النعامة .
يطرح أحد أساتذة علم الاجتماع مجموعة أسئلة في محاولة فهم حجم العملاء الذين تقذف عمالتهم في وجه اللبنانيين كصفعات تفقدهم توازنهم الوطني. يسأل «أي قيم حكمت المجتمع اللبناني على امتداد سنوات وعقود؟ ألم يفقد اللبنانيون بوصلة الوطنية ومفاهيمها وقامت كل مجموعة منهم بتفصيلها على مقاسها وطموحاتها ورؤيتها السياسية؟ ألم يكن اللبنانيون في مرحلة من مراحل حروبهم العبثية أعداء بعضهم بعضا؟ كيف انتهوا الى المصالحة؟ هل حوكم أحد؟ أي عقاب ناله القاتل أو الخاطف أو حتى السارق؟ وبالتالي أليس غياب العقاب الرادع سببا من أسباب استسهال العمالة؟ والعملاء أنفسهم الذين ألقي القبض عليهم أو حوكموا بعد التحرير كيف تم التعاطي معهم؟ ألم تحتضنهم بيئاتهم المختلفة؟ ألم يعودوا الى علاقاتهم وصداقاتهم وتجاراتهم وأعمالهم؟ هل سمعنا عن أحد هاجر لان بيئته المحلية لفظته بعد انكشاف عمالته وحتى محاكمته؟ وأبعد من ذلك ألم نجد لهم عشرات التبريرات والاسباب التخفيفية؟». يسارع الى التوضيح «أنا ضد الإعدام بالمطلق وأيّا تكن الاسباب. لكن ألم يعد من عقاب قاس يمكن اللجوء اليه بديلا لخيار الاعدام أو السجن المخفف لأشهر قليلة؟ كيف يعوض العميل لمجتمعه عن الاساءة التي ألحقها به؟ ألا يفترض مثلا وضع تشريعات جديدة تجبره على مثل هذه التعويضات إضافة الى السجن والاشغال الشاقة وغيرها؟ ».
يضيف في تحليل الصدمة بعد الاشتباه بالمسؤول في «التيار الوطني الحر» العميد فايز كرم بأنها تتعدى الشخص ومركزه السياسي ومكانته الى «المضمر في نظرة المجموعات اللبنانية بعضها الى بعض والى نفسها. فالمتهم من بيئة مسيحية لم تشتهر بغالبيتها بعداوة راسخة بوجدانها مع اسرائيل، لا يغير في شيء ان يكون من بينها أبرز من نظّر في هذا المجال وأول من أشار الى خطورة الدولة العبرية. لكن هذه البيئة، لأسباب كثيرة، لم تكن عداوة إسرائيل راسخة في وجدانياتها أو قناعاتها المعلنة أو المضمرة ولا حتى على تماس مع يومياتها . كان للبيئة المسيحية أعداء كثر في لحظات سياسية مختلفة ومنهم من تقاطعت عداوتها معهم مع عداوتهم مع اسرائيل كالفلسطينيين والسوريين. لذا جاء هذا التوقيف والاتهام ليهز صورة هذه الجماعة الى نفسها ويشعرها ببعض «الخجل» تجاه الجماعات الأخرى ».
بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، أعاد المسيحيون، تأكيد انهم ضد كل وصاية واحتلال. صوبوا خطابهم السياسي. السيادة على كل شبر أرض والاستقلال عن الجميع. عادت سوريا الشقيق المختلف معه عند فئة والمتفق معه عند اخرى، لكنها لم تعد «العدو». وسجلت خطوات إيجابية في العلاقة مع الفلسطينيين وان لم تنته رواسب كل الخلافات السابقة. أما اسرائيل فتكرست عداوتها عند الجميع، أقله في المعلن والمتداول. وراحت جميع الاحزاب في دوراتها وتنشئتها الحزبية تشير بالمباشر الى إسرائيل وخطرها على لبنان وعلى المسيحيين تحديدا. وفي أسوأ الاحوال تذكّر بأن اسرائيل غدرت بالمسيحيين. لذا زعزع توقيف كرم كل البيئة المسيحية حتى خصوم «التيار الوطني الحر». فلم نشهد انتقادا أو نوعا من التعيير بل على العكس، حصر الجميع الموضوع في إطاره الضيق. انتقدوا «التيار» فقط لمحاولته إظهار نفسه دوما كأنه امرأة قيصر فيما كل الآخرين لقطاء. واعتبروا أن العمالة «لا توصم إلا صاحبها وليس حزبه أو طائفته ».
ومع ذلك يرى أستاذ علم الاجتماع نفسه «ان البيئة المسيحية تحتاج الى كثير من العمل لترسيخ فكرة العداوة لإسرائيل في وجدانها. وهذا لا يحمل أية إدانة أو اتهام. بل ربما العكس. فالمسيحيون الخائفون دوما على الـ10452 كلم هي حدود آخر شجرة في العديسة لا يتهاونون في موضوع السيادة الوطنية. لكن تشعب مشاكلنا من الثقافي الى السياسي والامني والاقتصادي لم يتح للبنانيين أن يضعوا على طاولة حوار جدية هواجسهم ومخاوفهم من أجل تنقية ذاكرتهم والانطلاق الى ميثاق وطني جديد ينخرطون فيه عن قناعة ومصلحة معا. فالوحدة الوطنية والتوافقات الداخلية على الاساسيات هي حصن تلقائي في وجه الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة عبر الحروب أو الجواسيس. لكن المؤسف أن مثل هذا الكلام تحول الى ما يشبه اللغة الخشبية لان الجميع يقوله ولا يمارسه. وبالتالي علينا الانتقال الى إيجاد آليات لتطبيق ما نعلنه ونتبناه وهذا يبدأ من المدرسة ولا ينتهي على طاولة مجلس الوزراء وتشريعات مجلس النواب ».