فضيحة مسلسل "السيد المسيح" الذي كانت محطتا "المنار" والـ"ان بي ان" بدأتا بعرضه، يميط اللثام عن خلفيات الكثير مما أصاب لبنان في الآونة الاخيرة، فالمسلسل ايراني يقدم "قراءة" اسلامية (بتصرف) لحياة السيد المسيح، وهو في الحقيقة موجه الى جمهور مسلم في بلد غالبيته الساحقة مسلمة مثل ايران. لكن "الفهم" الخاص للمتأثرين بنظام "ولاية الفقيه" جعلهم لا يعيرون ادنى اهتمام للحساسيات الخاصة في لبنان، وخصوصا ان النصف المسيحي في لبنان اعتبر ان المسلسل ذهب ابعد من إثارة حساسيات، الى الطعن بجوهر الديانة المسيحية نفسها.
هذه هي السلوكيات التي يجري فرضها على اللبنانيين، هي عقلية، وهي الوجه الآخر لسياسة فرض السلاح على اللبنانيين من دون التوقف عند آرائهم المعارضة، لا بل الرافضة لمنطق غريب يريد ان يصنع لبنانيين، واحد "بلطجي" مستكبر بسلاحه، وآخر مذعن مستسلم. فهل هذا لبنان القابل للحياة؟
بالعودة الى المسلسل الايراني، فإن وقفه كان اضعف الايمان، وما كان على الكنيسة وحدها ان تتصدر الحركة الاحتجاجية، بل كان على اكبر كتلة نيابية مسيحية في البرلمان ان ترفع الصوت. ولكن بدلا من ذلك كان النواب الاكارم حيارى وهم يتابعون اجتماع النائب ميشال عون بوفد "حزب الله" الذي وصفه بـ"أهم حليف استراتيجي"! كيف لا وهو اعتاد ان يسلس قياده لـ"حزب الله" الى حد استسقائه تدخلا عسكريا فتنويا من الحزب في المناطق المسيحية؟ ألا تكفي الفتنة المقيمة منذ ايار 2008، وهي التي يشعر المرء بأنها ستعود الى الاشتعال مع اعلان "حزب الله" الحرب على المحكمة الدولية بناء على رفضه الحقيقة والعدالة بحد السيف؟
لقد قيل الكثير عن احتمالات المرحلة المقبلة، والحق ان قبول "حزب الله" الضمني بالتعامل مع مكتب المدعي العام دانيال بلمار وبتسليمه المعطيات التي ادلى بها السيد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي الاخير، يعني ان ثمة سقفا يقبل به الحزب راهنا، وان ثمة وقتا مستقطعا قبل انفجار الازمة. ولكن الحزب يعرف تمام المعرفة ان ابتزاز اللبنانيين شيء، وابتزاز المجتمع الدولي شيء آخر. فنسف المحكمة مستحيل مهما فعل، ولو ذهب الى حد تنفيذ انقلاب يجري الاعداد له في هذه الاثناء. فقلب النظام في لبنان ليس لعبة. والاعتماد على دمى في الطوائف الاخرى (بعضها يستعرض استعداداته منذ الآن) لتغطية الانقلاب ليس لعبة. ومحاولة الانقلاب على النظام تهربا من احقاق الحق في قضية رفيق الحريري لن تكون سهلة المنال على النحو الذي يجري الحديث عنه. فلبنان ليس غزة. والحلفاء القدامى والجدد لن يمكنهم الذهاب بعيدا في عملية تسليم البلد.
في الخلاصة، نحن لا نعرف قيمة المعطيات التي قدمها السيد حسن نصرالله. ولكننا نثق بأن مكتب المدعي العام بلمار سيشبعها درسا وتمحيصا، ثم يتصرف بها وفق قيمتها وصدقيتها.
فلننتظر رأي بلمار وفريقه، فملايين اللبنانيين يثقون بالمحكمة ويعتبرونها البوصلة.
|